تتزايد المخاوف داخل روسيا من أن يأمر الرئيس فلاديمير بوتين بتنفيذ تعبئة عسكرية واسعة جديدة للحرب في أوكرانيا فور انتهاء الانتخابات البرلمانية المقررة نهاية هذا الأسبوع.
قلق من شائعات التجنيد الإجباري
ووفق وثائق اطلعت عليها وكالة "بلومبرج"، يمتد هذا القلق إلى مسؤولين في الكرملين ومراكز التجنيد أنفسهم، حيث سعى بعضهم في الأشهر الأخيرة إلى فتح حسابات مصرفية أجنبية ونقل أصولهم إلى الخارج، بينما شجعوا أقاربهم وأصدقاءهم على مغادرة البلاد.
ورغم نفي بوتين وجود أي خطط من هذا القبيل ووصفه هذه التحذيرات بأنها "هراء تام" ضمن حملة إعلامية غربية، يقول مسؤول أمني أوروبي إن موسكو تستعد لتجنيد 300 ألف جندي إضافي بحلول نهاية 2026.
تعبئة صامتة بلا إعلان
وعلى عكس تعبئة سبتمبر 2022 التي أثارت ذعراً عاماً ودفعت عشرات الآلاف للفرار من البلاد، قد تتم التعبئة الجديدة هذه المرة دون إعلان رسمي، فقد بنى الكرملين بهدوء بنية تحتية رقمية متكاملة لاستدعاء المجندين وإغلاق منافذ الهروب في آن واحد، ويرتبط السجل العسكري الرقمي الموحد الآن تلقائياً بقواعد بيانات الضرائب والشرطة والسجلات الطبية وسجلات الملكية ومراقبة الحدود.
وبموجب اللوائح المحدثة، يُعتبر الاستدعاء الإلكتروني مُسلّماً قانونياً بعد 7 أيام من نشره على البوابة الحكومية، حتى لو لم يفتحه المستلم، ويدخل حظر سفر تلقائي حيز التنفيذ عند نقاط الحدود بمجرد النشر.
أما المتخلفون عن الحضور لمراكز التجنيد خلال 20 يوماً، فتُفرض عليهم عقوبات آلية تشمل منع تسجيل المركبات وإجراء المعاملات العقارية والحصول على الائتمان.
انتخابات في ظل الحرب
وتبدأ ثلاثة أيام من التصويت في 18 سبتمبر، في أول انتخابات برلمانية منذ بدء الغزو الشامل عام 2022.
ومن المتوقع أن يحتفظ حزب "روسيا الموحدة"، الذي يخوض الحملة باعتباره حزب بوتين، بالأغلبية التي يسيطر عليها منذ 2003، في انتخابات تخضع لسيطرة محكمة من الكرملين.
وربط بوتين مباشرة بين الانتخابات والحرب في خطاب متلفز للأمة في 16 سبتمبر قائلاً: "اختياركم وتصميمكم سيظهران مرة أخرى أن ملايين الناس يدعمون مقاتلينا. المشاركة في الانتخابات هي مساهمتنا المشتركة في انتصار روسيا".
وتدعم الأحزاب الأربعة الأخرى المرشحة للفوز بمقاعد الحرب أيضاً، فيما لا توجد معارضة حقيقية، بعدما استبعدت المحكمة العليا حزب "يابلوكو" الذي خاض حملته تحت شعار "من أجل السلام والحرية" بعدما بدا قريباً من تجاوز عتبة 5% لدخول الدوما.
وقالت إيكاترينا شولمان، العالمة السياسية في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا في برلين، إن الكرملين سيركز جهود التعبئة في المناطق التي تُظهر أكبر قدر من الولاء في الانتخابات، مضيفة: "في الأماكن التي أظهر فيها الناخبون والسلطات الولاء والانضباط والكفاءة الإدارية، يمكن تجنيد المزيد من الأشخاص".
نزيف بشري وتقدم محدود
وتأتي هذه المخاوف في وقت تتكبد فيه روسيا خسائر فادحة مقابل تقدم ضئيل. ويقول بوتين إنه نشر نحو 700 ألف جندي في أوكرانيا، بينما يحتاج الكرملين لتجنيد نحو 400 ألف شخص سنوياً لتجديد صفوفه، معتمداً على مكافآت ورواتب سخية لإقناع المتطوعين، لكن مع دخول الحرب عامها الخامس، تشير الدلائل إلى تراجع أعداد المتطوعين.
وبحسب يانيس كلوج، المحلل في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، جندت المناطق الروسية نحو 234 ألف جندي متعاقد جديد بين يناير وأغسطس، مقارنة بنحو 260 ألفاً في الفترة نفسها من 2025.
وأعلنت هيئة الأركان الأوكرانية في 15 سبتمبر أن 301 ألف جندي روسي قُتلوا وجُرحوا منذ بداية 2026، مع ارتفاع الخسائر الشهرية إلى 42 ألفاً في يوليو وأغسطس، وهي أرقام لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل، إذ لا تنشر موسكو ولا كييف بيانات رسمية عن خسائرهما.
وقال مصدر مطلع في موسكو طلب عدم الكشف عن هويته، إن نحو 1000 جندي روسي يُقتلون أسبوعياً في أوكرانيا بخلاف الجرحى، وإن موسكو بحاجة لمزيد من القوات على الجبهة وإن جودة المجندين الحاليين منخفضة للغاية.
وكشف تحليل أجراه أليكس كوكشاروف، المحلل الجيواقتصادي في بلومبرج، استناداً إلى بيانات مجموعة "DeepState" الأوكرانية، أن الهجوم الصيفي الروسي لم يحقق سوى 155 كيلومتراً مربعاً من مايو إلى أغسطس، مقارنة بـ2037 كيلومتراً مربعاً في الفترة نفسها من 2025.
وبحسب حساباته، تكبد الجيش الروسي نحو 33 ألف قتيل وجريح في المتوسط شهرياً منذ بداية 2026، مقابل تقدم لا يتجاوز 104 كيلومترات مربعة شهرياً، أي ما يعادل 317 قتيلاً أو جريحاً مقابل كل كيلومتر مربع.
وقال كيريل روجوف، رئيس مجموعة "Re: Russia" البحثية في فيينا: "الوضع العسكري في الأشهر الأخيرة يشير إلى أن روسيا لا تملك عدداً كافياً من الأفراد للتركيز على المحور الرئيسي للتقدم وتأمين خط الجبهة في الوقت نفسه.
بعبارة أخرى، ستكون التعبئة ضرورية إذا كان الهدف هو الوصول إلى حدود دونباس خلال ستة أشهر".
هروب مبكر
ورغم عدم وجود مؤشرات حالياً على خطة لاستدعاء المسرحين بعد تخفيضات موظفين تصل إلى 15% في مناطق روسيا ضمن تخفيضات ميزانية أمر بها بوتين مطلع 2026، فإن الشائعات تثير قلقاً متجدداً، مع تقارير عن تزايد عبور الروس إلى جورجيا وأرمينيا قبل الانتخابات.
وكانت موسكو قد اتهمت في أغسطس المسؤولين الأرمن بالإدلاء بتصريحات "استفزازية" بعد إبداء يريفان استعدادها لاستقبال الفارين من الخدمة العسكرية.



