ورد سؤال إلى د. عطية لاشين عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف يقول السائل: كنت رجل شرطة برتبة لواء، وأُحلت إلى التقاعد، ولكن لا تزال لديَّ بعض الصلاحيات التي أستطيع من خلالها دفع الشر عن الناس ومنع الأذى عنهم، ويلومني بعض الناس على هذا التدخل، فهل هم على حق في هذا اللوم؟
وأجاب د. لاشين قائلا: إن من أسباب نجاة الأمة أن يأمر بعض أفرادها بعضًا بالمعروف، وأن ينهى بعضهم بعضًا عن المنكر، فإذا قام المجتمع بهذه المسؤولية كان ذلك سببًا في نجاته وصلاحه، أما إذا سكت الجميع عما يقع من المنكرات، ولم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر، فإن السكوت قد يكون سببًا في انتشار الفساد واستحقاق العقوبة.
واستشهد عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف بقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، موضحًا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب صلاح المجتمع وحمايته من انتشار المنكرات والفساد.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من ترك مواجهة المنكر، فقال: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيَعُمَّنَّكُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ».
وأوضح د. عطية لاشين أن السنة النبوية بينت كذلك خطورة السكوت عن المنكر من خلال المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب السفينة، حيث قال: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا»، مبينًا أن ترك من يريد إحداث الضرر دون منعه قد يؤدي إلى هلاك الجميع، بينما الأخذ على يده ومنعه من الضرر يكون سببًا في النجاة.
وأكد أن واقعة السائل تتوقف على طبيعة الصلاحيات التي لا تزال قائمة لديه بعد إحالته إلى التقاعد، فإذا كان يملك بحكم خبرته السابقة في جهاز الشرطة، أو بحكم صفة قانونية قائمة له حاليًا، صلاحية مشروعة يستطيع من خلالها منع ضرر أو دفع شر عن شخص أو جماعة، وكان استخدامه لهذه الصلاحية يتم داخل حدود القانون، وخاليًا من التعدي أو التشفي أو تحقيق مصلحة شخصية، فإن قيامه بذلك لا يكون أمرًا مذمومًا.
ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأضاف أن هذا التدخل في هذه الحالة يدخل في التعاون على البر والتقوى، وفي دفع الضرر عن الناس، طالما كان الهدف منه حماية الآخرين ومنع الأذى عنهم، دون تجاوز للحقوق أو استعمال للسلطة في غير موضعها.
وأوضح د. لاشين أنه إذا كانت الصلاحيات التي يتحدث عنها السائل قد انتهت قانونًا بمجرد إحالته إلى التقاعد، فلا يجوز له أن يستعمل صفة أو سلطة لم تعد ثابتة له، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني تجاوز حدود الاختصاص أو استخدام نفوذ غير مشروع.
وأشار إلى أن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي أن يكون بالوسائل المشروعة، وبالقدر الذي يحقق المصلحة ويدفع المفسدة، دون أن يتحول التدخل في منع الضرر إلى تعدٍ على حقوق الآخرين أو مخالفة للأنظمة والقوانين.
وأكد أن مجرد لوم الناس للسائل على تدخله في منع الشر ليس في محله إذا كان تدخله مشروعًا، وكانت له صلاحية قانونية قائمة بالفعل، وكان قصده دفع الضرر وتحقيق الخير، ولم يترتب على تدخله ظلم أو اعتداء على حقوق الآخرين.
أما إذا لم تكن له صلاحية قانونية قائمة، فأوضح عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أنه لا يجوز له استخدام صفة أو سلطة انتهت قانونًا، وإنما عليه أن يسلك الوسائل المشروعة، وأن يبلغ الجهات المختصة بما يقع من ضرر أو أذى، وأن يسعى إلى منعه بالطرق التي يجيزها الشرع والقانون بحسب استطاعته.
واختتم د. عطية لاشين بأن الأمر يجمع بين أصلين مهمين، أولهما القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع الضرر عن الناس، وثانيهما الالتزام بحدود الشرع والقانون وعدم تجاوز الاختصاص أو استعمال سلطة لم تعد قائمة.



