قد تشهد العاصمة الألمانية برلين حدثاً تاريخياً بوصول أول عمدة من أصول تركية، بعد أن حقق حزب اليسار "Die Linke" فوزاً غير مسبوق في انتخابات ولاية برلين يوم الأحد.
مرشحة من أصل تركي تفوز بانتخابات برلين
حققت إليف إيرالب (45 عاماً) فوزاً تاريخياً لحزب اليسار بنسبة 25.3% من الأصوات، متقدمة على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بقيادة المستشار ميرتس (19%) وحزب البديل من أجل ألمانيا (16%).
وفقا لصحيفة ديلي صباح التركية، احتفلت إيرالب، ابنة مهاجرين تركيين بالفوز على أنغام تاركان قائلة: "صنعنا التاريخ معاً".
احتفال بنكهة تركية: "صنعنا التاريخ معاً"
احتفلت المرشحة إليف إيرالب، البالغة 45 عاماً، بالفوز بخطاب تخللته عبارات تركية، وسط أجواء احتفالية رقص فيها أنصارها رقصات شعبية تركية على أنغام نجم البوب تاركان التي انطلقت من مكبرات الصوت.
وقالت إيرالب أمام حشد مختلط يضم مواطنين من خلفيات مهاجرة مثلها: "كلنا جزء من هذه المدينة، هذا البلد"، مضيفة لأعضاء الحزب المحتفلين: "ابتداء من اليوم، سنغير برلين معاً.. صنعنا التاريخ معاً".
من ابنة مناضل يساري إلى مرشحة العاصمة
إيرالب هي ابنة زوجين غادرا تركيا بعد أن تعرض والدها لضغوط سياسية كناشط عمالي يساري خلال انقلاب 1980. نشأت في هامبورج ودرست القانون، وبدأت مسيرتها السياسية كمستشارة للسياسات القانونية لحزب اليسار في البوندستاج عام 2010، حتى أصبحت نائبة رئيس الحزب في ولاية برلين عام 2025.
وركزت حملتها على القضية الأكثر إلحاحاً في العاصمة: ارتفاع تكلفة السكن، متعهدة بتنفيذ وعدها بتأميم جمعيات الإسكان الخاصة التي تستحوذ على حصة كبيرة من مخزون المساكن في المدينة.
زلزال انتخابي يطيح بحزب ميرتس
ضاعفت نتيجة الحزب تقريباً نتيجته السابقة، ليحصد 25.3% من الأصوات، متقدماً بفارق كبير على الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ (CDU) بزعامة المستشار فريدريش ميرتس الذي حصل على 19%، وحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف الذي سجل أفضل نتيجة له في برلين بنسبة 16%، والحزب الديمقراطي الاجتماعي الوسطي الذي اكتفى بـ 12.1%.
ومن المقرر أن يحل حزب اليسار، الذي انبثق من الحزب الشيوعي لألمانيا الشرقية السابق بعد إعادة التوحيد قبل 36 عاماً، محل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في منصب رئيس البلدية.
وجاءت انتخابات برلين في نفس اليوم الذي حقق فيه حزب البديل من أجل ألمانيا نجاحاً مماثلاً بفوزه بالمركز الأول في انتخابات ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، بعد نجاحه في ساكسونيا-أنهالت في 6 سبتمبر، لكن حزب اليسار استفاد أيضاً من تحول عام ضد أحزاب اليسار الوسط واليمين الوسط التقليدية.
داعمة لفلسطين
في غضون ذلك، أثار فوز اليسار جدلاً سياسياً، حيث أعرب جوزيف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، عن معارضته لحكومة يقودها حزب اليسار في برلين، وحث الأحزاب الأخرى على عدم الدخول في مفاوضات ائتلافية معه.
واتهم شوستر الحزب بتجاوز "الخطوط الحمراء مراراً خلال الحملة الانتخابية بتصريحات معادية للسامية"، معتبراً أن الانضمام إلى ائتلاف يقوده يعني الترويج لـ"تطبيع الكراهية ضد اليهود"، على خلفية تضامن الحزب مع المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين.
وردت إيرالب التي أعربت خلال الحملة عن دعمها للجالية الفلسطينية في برلين وأدانت بشدة جرائم الحرب التي ترتكبها حكومة بنيامين نتنياهو في غزة، متعهدة بإنهاء ما وصفته بالإجراءات القمعية للشرطة ضد الاحتجاجات السلمية المؤيدة للفلسطينيين.
وقالت في مناظرة تلفزيونية: "من الواضح تماماً أننا ندافع عن حماية حياة اليهود، تماماً كما ندافع عن حماية حياة المسلمين والفلسطينيين"، مؤكدة أن قادة الحزب نأوا بأنفسهم عن حوادث فردية.
ويؤكد حزب اليسار رفضه لاتهامات معاداة السامية المنهجية، قائلاً إنه ضد جميع أشكال "العداء الموجه نحو الجماعات"، بما في ذلك معاداة السامية والعنصرية والتمييز الجنسي.
"صنعت التاريخ".. دموع وفخر الأم
شاركت هوليا إيرالب فرحة أنصار ابنتها مع إعلان النتائج الأولية، وقالت لوكالة الأناضول: "أنا فخورة بها. لم أتوقع أن تحصد كل هذه الأصوات.. انهرت بالبكاء، لم أستطع النوم لأيام بسبب الترقب".
وأضافت: "إليف قالتها بنفسها؛ لقد صنعت التاريخ. من المهم للغاية أنها حققت هذا النجاح كسياسية من أصول مهاجرة في تاريخ برلين".
وأكدت أن اهتمام ابنتها بالسياسة وحقوق الإنسان نما منذ الصغر، قائلة: "كانت طفلة تهتم بشدة بالعدالة. كلما رأت أدنى ظلم، كانت تتدخل. وكان الجميع يقولون: ستصبحين بالتأكيد محامية وستدافعين عن حقوق الإنسان".
وأوضحت أن ابنتها عملت كمحامية حقوق إنسان في البوندستاغ لنحو عشر سنوات، قبل أن تقبل عرض الترشح لمنصب عمدة برلين بعد تردد.
وتابعت: "سألتنا جميعاً: هل أترشح أم لا؟ قلنا لها: هذا حدث تاريخي. عليكِ القيام بذلك. لقد كُتب هذا الآن على جبينكِ".
وختمت الأم التي عملت لسنوات في منظمة للمهاجرين بدعوة المهاجرين في ألمانيا إلى "الدفاع عن حقوقكم.. لا تستسلموا أبداً"، مشددة على أهمية مكافحة العنصرية.