قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عادل القليعي يكتب: صعيدي من مهنة الإسترجية إلى درجة الأستاذية

د. عادل القليعي - أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب العاصمة
د. عادل القليعي - أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب العاصمة

رب سؤال يطرحه القارئ الكريم، ما الإسترجية، وما الأستاذية، ومن هذا الصعيدي.؟!

بداية تعريف الإسترجية، هي مهنة حرة يمتهنها بعض الناس ليقتاتوا منها وينفقوا على ذويهم وإذا أمتهنها بعض الشباب فيمتهنونها من أجل الإنفاق على دراساتهم خصوصا إذا تخرجوا من جامعاتهم ولم يستطيعوا أن يتحصلوا على وظيفة تناسب طبيعة مؤهلاتهم، أو من يتفوقون في دراساتهم ولم يحالفهم التوفيق للإلتحاق بالسلك الجامعي.

هي مهنة شاقة يتعرض من يمتهنها إلى الإصابة بأمراض الصدر نتيجة لاستنشاقهم المواد الكيميائية طيلة يومهم فضلا عن غبار مساحيق المعاجين بكآفة ألوانها.

أما الأستاذية فهي درجة علمية أكاديمية رفيعة المستوى، يتحصل عليها الباحث بعد رحلة معاناة مع الدرس والبحث، تبدأ من درجة معيد، ثم مدرسا مساعدا، فمدرس.

ثم بحوث خمس سنوات، يعاني الباحث أيما معاناة مع اللجان العلمية حتى يحصل على هذه الدرجة، يليها خمس سنوات أشغال شاقة بين الدرس والبحث والانفاق إلى أن يرقى ويحصل على هذه الدرجة رفيعة المستوى التي تضيف لصاحبها على راتبه الزهيد حوالي سبعمائة جنيها مصريا فقط لا غير.

أما الصعيدي فهناك الآلاف مثله بل وأفضل منه ممن برعوا ونبغوا في دراساتهم العليا من الصعايدة وكل ربوع وطننا الحبيب مصر.

لكن هذا الصعيدي قصته مختلفة بعض الشيء فهو نبغ وتفوق لكن لاختلاف فى الرأى لم يعين معيدا، إلا إنه أبى إلا أن يحقق حلمه، حلم الجامعة وأن يصبح أستاذا يشار إليه بالبنان، وأن يكتب فى الصحافة ويستضاف على شاشات التلفاز، بل زاد سقف طموحه، أن يتولى منصبا قياديا كبيرا فى الدولة.

فسعى جاهدا سالكا كل الطرق المشروعة وبدأ رحلة الدراسات العليا بجامعة القاهرة، فحصل على تمهيدي الماجستير، وعاد كي يحقق حلمه في جامعته التي تبعد عن بلدته بخمس كيلو مترات كان يقطعها ذهابا وإيابا مشيا على قدميه إذا لم يتوفر معه ثمن الركوبة.

فقيض له أستاذا فاضلا شعر به وأحس بمصداقيته فى البحث وحصل على يديه على درجة الماجستير، ثم غادر هذا الأستاذ إلى القاهرة وأبى إلا أن يأخذ تلميذه النجيب معه، وسعى لتعيينه في إحدى جامعات القاهرة، وبالفعل عين هذا الصعيدي وبدأ رحلة الدكتوراة إلى أن حصل عليها بتقدير مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة - التي لم تدفع له سوى تسعمائة جنيها مكافأة الحصول على الدكتوراة.

وبالفعل رقي هذا الشاب إلى درجة مدرس دكتور، وصال وجال في قاعات الدرس فرحا بحلمه الذي تحقق وكاد أن يفقد صوته في إحدى المحاضرات حيث إن الكهرباء قطعت فى المدرح .

فأصر أن يكمل المحاضرة دون ميكروفون ، مما أدى إلى إلتهاب حاد فى الأحبال الصوتية خلف ما يشبه بالعقدة على الأحبال الصوتية تحتاج إلى تدخل جراحي، وبالفعل استخار الشاب ربه وأجرى العملية الجراحية ونجحت وكأن الله تعالى يقول له استمر ولا تتوقف فإنك بأعيننا.

وواصل هذا الشاب دراساته بعدما فقد حصنه الحصين الذي كان يرتكن عليه، أستاذه رحمه الله.
لكنها كانت أمنية أستاذه قبله أن يصبح أستاذا ويكمل مسيرة معلمه.

فإنه على الرغم من صعوبة الفراق، ووحشة ووحدة الطريق وآلام الفقد، إلا أن الشاب تجاوز وواصل حتى بعدما تلقفته شياطين الإنس، إلا أن الله نصره عليهم بدعوة مظلوم سرت بليل بهيم سمعها من لا يغفل ولا ينام.

فانجز أبحاثه لدرجة أستاذ مساعد، وبعد أن مرت خمس سنوات وهذا الصعيدي في سباق مع الزمن، يريد أن يحقق حلمه وحلم أستاذه، وحلم أسرته، فواصل الليل بالنهار، ما بين التدريس فى الجامعة، ومراعاة بيته وأسرته وقضاء ليله في مكتبه بين الكتب والمراجع يتدثر بهن فكان نعم الدثار.
وما أن كان يصيبه التعب، يجد سيدة بيته وقلبه تحنو عليه حفظها الله لبيتها وأولادها

إلى أن مرت الخمس سنوات إلا ثلاثة أشهر، وحقق الرجل مراده وأشاد الأساتذة ببحوثه ورقي إلى درجة الأستاذية، وما كان في حسبانه أن يحقق منصبا فى الجامعة، إلا أن إرادة الله كانت فوق إرادته.
وترأس قسم علمي عريق، وكتب في كبريات الصحف المصرية والعربية والمنابر الإعلامية المعتبرة.

ليس هذا وحسب بل وأصبحت له برامج إذاعية، وراحت القنوات التليفزيونية تسعى إلى استضافته.
ولا يزال يمارس موهبته فى التدريس وفى الكتابة وغيرهما في كآفة مجالات الثقافة.

الشاهد في هذا، أن الإنسان لا يتوقف مهما وضعت في طريقه العراقيل، فلا يتوقف ولا يكل ولا يمل السعى مصداقا لقوله تعالى
(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى)