شهدت اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة حضورًا متزايدًا للقضية الفلسطينية، مع تصاعد الدعوات الدولية للتعامل مع الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، وإعادة طرح المسار السياسي القائم على حل الدولتين، بالتزامن مع استمرار الملفات المرتبطة بالاستيطان والقيود المفروضة على الفلسطينيين.
وقال الدكتور أمجد شهاب، أستاذ القانون الدولي من القدس، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «90 دقيقة»، إن عددًا من كلمات قادة الدول خلال اجتماعات الجمعية العامة حملت إشارات واضحة إلى القضية الفلسطينية، موضحًا أن أهمية هذا التحول في الخطاب الدولي ترتبط بمدى ترجمته إلى تحركات وإجراءات فعلية على الأرض.
وأوضح شهاب أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يُواجهون صعوبات متزايدة في التنقل نتيجة الإجراءات المفروضة على الحواجز العسكرية، مشيرًا إلى أن الانتقال بين مدن متقاربة جغرافيًا قد يستغرق ساعات في بعض الحالات بسبب إغلاق الحواجز والتدقيق والإجراءات الأمنية.
وأشار أستاذ القانون الدولي إلى أن تأثير هذه القيود لا يقتصر على حركة السكان فقط، وإنما يمتد إلى مختلف تفاصيل حياتهم اليومية، بما يشمل الوصول إلى أماكن العمل والتعليم والعلاج والخدمات الأساسية.
وأضاف أن استمرار هذه الأوضاع يترك انعكاسات متعددة على المجتمع الفلسطيني، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني، إلى جانب التأثيرات المرتبطة بالظروف النفسية للسكان، خاصة في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار.
انتقادات لإجراءات تطال المدنيين
وتطرق شهاب إلى طبيعة الإجراءات التي يتم اتخاذها في بعض المناطق عقب وقوع حوادث أمنية، معتبرًا أن تعميم هذه الإجراءات على السكان بصورة واسعة يثير إشكالات من منظور القانون الدولي.
وأوضح أن تحميل مجموعات من المدنيين تبعات وقائع لم يشاركوا فيها يندرج، بحسب وصفه، ضمن مفهوم العقاب الجماعي، مؤكدًا أن حماية المدنيين تظل أحد المبادئ الأساسية التي ينظمها القانون الدولي الإنساني.
ولفت إلى أن هذه القضايا أصبحت جزءًا من النقاشات المطروحة أمام المجتمع الدولي، خاصة مع تصاعد المطالبات بضرورة حماية السكان الفلسطينيين وضمان عدم تعرضهم لإجراءات جماعية تؤثر على حياتهم اليومية.
حل الدولتين حاضر في التحركات الدولية
وأكد أستاذ القانون الدولي أن حل الدولتين عاد ليحتل مساحة واضحة في خطابات عدد من القادة والمسؤولين المشاركين في اجتماعات الأمم المتحدة، مع تجدد الدعوات إلى العودة للمفاوضات والمسار السياسي.
وأوضح أن طرح حل الدولتين يرتبط بالرؤية الدولية لإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، على أساس حدود عام 1967، بما يفتح الطريق أمام تسوية سياسية للنزاع الممتد منذ عقود.
وأشار إلى أن استمرار الحديث عن هذا المسار في المحافل الدولية يعكس وجود توجه لإبقاء التسوية السياسية ضمن الخيارات المطروحة، رغم التحديات التي تواجه تطبيقها على أرض الواقع.
ماكرون يركز على التحرك الدولي
وتناول شهاب موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماعات الجمعية العامة، مشيرًا إلى أن الخطاب الفرنسي تضمن تركيزًا على التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب التأكيد على أهمية حل الدولتين.
وأوضح أن الدول الأوروبية لديها مجموعة من الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي يمكن استخدامها في التعامل مع الملفات المرتبطة بالاستيطان والعنف والتطورات الإنسانية، بحسب رؤيته.
وكانت فرنسا قد شاركت إلى جانب بريطانيا وكندا والسعودية في تحركات دبلوماسية ركزت على دعم مسار حل الدولتين، بالتزامن مع تصاعد النقاش الدولي حول مستقبل القضية الفلسطينية.
الاستيطان والأوضاع الإنسانية على طاولة النقاش
وأشار شهاب إلى أن وقف التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي والعنف ضد المدنيين يمثل أحد الملفات التي تحتاج إلى تحرك دولي، إلى جانب التعامل مع الظروف التي يعيشها الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية.
وقال إن دعم قدرة الفلسطينيين على البقاء في أراضيهم وممارسة حياتهم بصورة طبيعية يرتبط بوجود ظروف تسمح بحرية الحركة والوصول إلى الخدمات والحفاظ على الممتلكات والأراضي.
كما تطرق إلى الوضع الإنساني في قطاع غزة، مؤكدًا أن استمرار معاناة السكان يتطلب تحركًا دوليًا يتجاوز إصدار البيانات والتصريحات، وصولًا إلى إجراءات ملموسة تساعد في تحسين الأوضاع على الأرض.
تنفيذ الاتفاقات يمثل التحدي الأكبر
وفيما يتعلق باتفاقات وقف إطلاق النار وخطط التسوية، شدد شهاب على أن التوصل إلى الاتفاقات لا يمثل نهاية المسار، وإنما تبدأ بعد ذلك مرحلة أكثر أهمية تتعلق بآليات التنفيذ وضمان التزام الأطراف بما تم الاتفاق عليه.
وأوضح أن القانون الدولي والاتفاقيات الدولية تمثل إطارًا يجب الاحتكام إليه عند التعامل مع الأزمات، مشيرًا إلى ضرورة وجود آليات تضمن تنفيذ الالتزامات وعدم تحول الاتفاقات إلى مجرد تفاهمات سياسية دون انعكاس عملي.
وأكد أن الاختبار الأساسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في مدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل المواقف التي أعلنتها الدول خلال اجتماعات الأمم المتحدة إلى إجراءات فعلية، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين ووقف الاستيطان ودعم المسار السياسي.
الجولان حاضر في الخطاب السوري
وفي سياق متصل، أشار أستاذ القانون الدولي إلى أن الرئيس السوري تناول خلال كلمته أمام الجمعية العامة قضية الجولان، مجددًا موقف بلاده الرافض لاحتلاله وتمسكها بحقها فيه.
وتأتي هذه القضية ضمن مجموعة من الملفات الإقليمية التي حضرت في مناقشات اجتماعات الأمم المتحدة، بالتزامن مع استمرار طرح قضايا الشرق الأوسط أمام المجتمع الدولي.
وتجمع الملفات التي تناولها شهاب بين التطورات الإنسانية والسياسية والقانونية، في ظل استمرار التركيز الدولي على قطاع غزة والضفة الغربية، ومستقبل حل الدولتين، وقضايا الاستيطان والقيود المفروضة على الفلسطينيين، إلى جانب الملفات الإقليمية الأخرى المرتبطة بأمن واستقرار المنطقة.