كشفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن أزمة داخل صفوف الجيش الإسرائيلي، تتمثل في استدعاء جنود احتياط يعانون من إصابات واضطرابات نفسية، بينهم مصابون باضطراب ما بعد الصدمة، للعودة إلى الخدمة العسكرية، رغم خضوع بعضهم للعلاج وإعادة التأهيل.
وبحسب تحقيق نشرته الصحيفة، فإن عددًا من جنود الاحتياط الذين يعانون من مشكلات نفسية تلقوا أوامر بالعودة إلى الخدمة، فيما تحدث بعضهم عن تعرضهم لضغوط شديدة لإجبارهم على الامتثال، وصلت في بعض الحالات إلى التهديد بالاعتقال.

إصابات نفسية خلفتها ساحات القتال
وتعود الإصابات النفسية التي يعاني منها هؤلاء الجنود، وفق الشهادات التي نقلتها الصحيفة، إلى تجارب صادمة مرتبطة بخدمتهم العسكرية والقتال، وما رافقها من تعرض متكرر لمواقف عنيفة وضغوط ميدانية شديدة.
ويُعد اضطراب ما بعد الصدمة أحد أبرز الاضطرابات النفسية التي قد تظهر عقب التعرض لأحداث شديدة الصدمة، وقد تتضمن أعراضه استعادة الأحداث الصادمة بصورة متكررة، والكوابيس، والقلق الشديد، واضطرابات النوم والتركيز، وتجنب المواقف التي تذكّر بالحدث.
وتأتي هذه الحالات في سياق أوسع من الضغوط النفسية التي يواجهها الجنود الإسرائيليون خلال فترات الخدمة والقتال الممتدة، إذ أشارت تقارير إسرائيلية إلى ارتفاع أعداد الجنود الذين يحتاجون إلى علاج أو تأهيل نفسي منذ اندلاع الحرب على غزة.
عالقون بين العلاج وأوامر الاستدعاء
وأوضحت «هآرتس» أن بعض الجنود الذين جرى استدعاؤهم يتلقون بالفعل العلاج في أجنحة إعادة التأهيل التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، إلا أن خضوع الجندي للعلاج لا يعني بالضرورة انتهاء الإجراءات الطبية الرسمية المتعلقة بتحديد إصابته ودرجة إعاقته.
وتكمن المشكلة، بحسب التقرير، في طول الإجراءات الخاصة بفحص الحالات النفسية والاعتراف الرسمي بالإصابة؛ وهي إجراءات يمكن أن تستغرق وقتا طويلا، بينما تظل صفة الجندي كفرد في قوات الاحتياط قائمة.
وبذلك يجد بعض الجنود أنفسهم أمام معادلة صعبة: من جهة يخضعون للعلاج بسبب إصابات نفسية مرتبطة بخدمتهم، ومن جهة أخرى يُطلب منهم العودة إلى الخدمة العسكرية قبل حسم وضعهم الطبي بشكل نهائي.

التهديد بالاعتقال
ونقلت الصحيفة شهادات لجنود قالوا إن الضغوط لم تتوقف عند مطالبتهم بالعودة إلى الخدمة، بل تضمنت تهديدات بإجراءات عقابية في حال رفض أوامر الاستدعاء.
وبحسب التحقيق، وصل الأمر في بعض الحالات إلى التهديد بالاعتقال، وهو ما وضع جنودًا يعانون أصلًا من مشكلات نفسية أمام ضغط إضافي، بين الخوف من تبعات عدم الامتثال للأوامر والخوف من العودة إلى بيئة عسكرية قد تؤدي إلى تفاقم أعراضهم.
عادوا إلى الخدمة رغم المخاوف
وأشارت «هآرتس» إلى أن بعض الجنود استسلموا في النهاية للضغوط وعادوا إلى الخدمة العسكرية، رغم مخاوفهم بشأن قدرتهم النفسية على تحمل ظروف الخدمة من جديد.
وتكشف هذه الحالات عن تعقيد متزايد في ملف الصحة النفسية داخل منظومة الاحتياط الإسرائيلية، خصوصًا مع استمرار الاعتماد على جنود الاحتياط وتكرار عمليات الاستدعاء.
ولا تتوقف الأزمة عند الإصابة النفسية نفسها، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد الإصابة؛ إذ يواجه الجندي المصاب مسارا طبيا إداريا طويلًا للحصول على الاعتراف الرسمي بحالته، في الوقت الذي تظل فيه المؤسسة العسكرية بحاجة إلى قوات الاحتياط.

أزمة تتجاوز الفرد
ويأتي كشف «هآرتس» في وقت تتزايد فيه التقارير الإسرائيلية حول الأعباء النفسية التي خلفتها الحرب على الجنود. وتشير بيانات وتقارير إسرائيلية إلى تسجيل حالات اضطراب ما بعد الصدمة وحالات نفسية أخرى بين الجنود منذ بدء الحرب، فيما تحدثت تقارير عن حالات انتحار داخل الجيش وربطت تحقيقات عسكرية بعضها بالضغوط النفسية المرتبطة بالحرب.
وبينما تواصل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الاعتماد على قوات الاحتياط، تطرح شهادات الجنود التي أوردتها «هآرتس» سؤالًا حول كيفية التعامل مع من يعانون من إصابات نفسية: هل يحصل الجندي على الوقت الكافي للعلاج والتقييم الطبي، أم أن الحاجة إلى إبقائه ضمن صفوف الاحتياط تدفع إلى عودته قبل اكتمال مسار التأهيل؟
وتضع هذه الشهادات ملف الصحة النفسية للجنود الإسرائيليين أمام اختبار جديد، خصوصًا بالنسبة إلى المصابين الذين لا تزال حالتهم الطبية قيد التقييم، والذين يجدون أنفسهم بين العلاج النفسي من آثار القتال وأوامر العودة إلى ساحات الخدمة.