قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة للوجود الدولي بلبنان

اليونيفيل
اليونيفيل

يدخل لبنان مرحلة دقيقة مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» نهاية عام 2026، في تحول يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة للوجود الدولي في الجنوب، ويضع الدولة اللبنانية والجيش اللبناني أمام مسؤوليات أكبر في تثبيت الأمن وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

وكان مجلس الأمن الدولي قد قرر في أغسطس 2025 التمديد للمرة الأخيرة لولاية «اليونيفيل» حتى 31 ديسمبر 2026، على أن تبدأ القوة اعتبارا من هذا التاريخ انسحابها بصورة منظمة وآمنة خلال عام 2027، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية. ويأتي ذلك في إطار مسار يستهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن توفير الأمن في جنوب لبنان.

ولا يعني انتهاء مهمة «اليونيفيل» بالضرورة انتهاء الدور الدولي في الجنوب، إذ تبرز أمام لبنان مسألة أساسية تتعلق بكيفية الحفاظ على المراقبة والاستقرار بعد توقف عمليات القوة بصيغتها الحالية.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في نيويورك في 21 سبتمبر الجاري، أهمية استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة في الجنوب خلال مرحلة ما بعد «اليونيفيل»، بما يضمن استمرار مهام المراقبة والإفادة والتواصل، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار ويدعم بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، إذ إن أي انتقال من مهمة دولية إلى صيغة جديدة يحتاج إلى آلية واضحة تضمن عدم حدوث فجوة في المراقبة والتواصل، خصوصا أن رئيس بعثة «اليونيفيل» وقائدها الجنرال ديوداتو أبنيارا شدد مؤخرا على أهمية انتقال سلس، بحيث تتمكن الجهات الأممية الأخرى والجيش اللبناني من تولي المهام التي كانت تضطلع بها القوة قبل بدء انسحابها.

ويشكل تعزيز قدرات الجيش اللبناني أحد أبرز عناصر المرحلة المقبلة، إذ ينص قرار مجلس الأمن على حث المجتمع الدولي على زيادة دعمه للجيش بالمعدات والعتاد والتمويل، بما يساعده على الانتشار الفعال والمستدام جنوب نهر الليطاني وتنفيذ القرار 1701.

ويشمل التحدي أكثر من مجرد زيادة أعداد العسكريين، إذ تتطلب المرحلة تطوير قدرات المراقبة والاستطلاع والاتصالات والانتشار والاستجابة السريعة، وهي قدرات ترتبط مباشرة بقدرة الجيش على القيام بمهام أمنية واسعة في منطقة كانت «اليونيفيل» تؤدي فيها دورا أساسيا منذ فترة طويلة.. وتشير تحليلات لبنانية ودولية حديثة إلى أن مسألة الانتقال تتطلب بناء منظومة قدرات متكاملة للجيش، وليس فقط زيادة العدد.

ورغم انتهاء مهمة «اليونيفيل»، يبقى القرار 1701 الإطار الدولي الأساسي المتعلق بالوضع في الجنوب. فقد شدد قرار مجلس الأمن الأخير على ضرورة التنفيذ الكامل للقرار، واحترام الخط الأزرق ووقف الأعمال العدائية، كما دعا إسرائيل إلى الانسحاب شمال الخط الأزرق وإلى إزالة المناطق العازلة المحددة شمال الخط، ودعا السلطات اللبنانية إلى الانتشار في تلك المواقع بدعم محدد المدة من «اليونيفيل».

ويضع ذلك لبنان أمام معادلة مزدوجة: تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها الأمنية في الجنوب من جهة، والحفاظ على آلية دولية للمراقبة والتواصل من جهة أخرى، خصوصا في ظل استمرار الانتهاكات والأعمال العسكرية التي أشار إليها قرار مجلس الأمن.

ويأتي الانتقال إلى مرحلة ما بعد «اليونيفيل» في وقت لا يزال فيه الجنوب يعيش تداعيات الحرب والتصعيد، مع استمرار الغارات والقصف والتفجيرات في عدد من البلدات الحدودية. وقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيدا عسكريا في مناطق جنوبية عدة، بالتزامن مع تحركات سياسية ودبلوماسية لبنانية تهدف إلى تثبيت التهدئة ودعم الجيش.

وهنا تبرز أهمية عامل الوقت، إذ إن انتهاء العمليات في 31 ديسمبر المقبل لا يعني خروج جميع عناصر «اليونيفيل» في اليوم نفسه، وإنما تبدأ بعد ذلك عملية خفض القوات والانسحاب التدريجي خلال عام 2027. ووفقا للقرار الدولي، يفترض أن يتم هذا المسار بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية وبما يضمن انتقالا منظما وآمنا للمهام.

ولا ينفصل الملف الأمني عن ملف إعادة إعمار الجنوب وعودة السكان، إذ يرى لبنان أن المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على الترتيبات العسكرية والأمنية، بل أن تترافق مع دعم المناطق المتضررة وإعادة الخدمات الأساسية.

وفي هذا الإطار، أكد نواف سلام رئيس وزراء لبنان أمام الأمين العام للأمم المتحدة أهمية الانتقال تدريجيا من الاستجابة الطارئة إلى دعم العودة والتعافي، من خلال برامج مخصصة للعائدين والصامدين في المناطق المتضررة، بالتنسيق مع الدولة اللبنانية. وأشار إلى أن نحو 329 ألف شخص ما زالوا نازحين، ما يعكس حجم التحدي الإنساني الذي يواجه لبنان بالتوازي مع التحدي الأمني.

مرحلة اختبار للدولة اللبنانية:

وبذلك، تبدو مرحلة ما بعد «اليونيفيل» بالنسبة إلى لبنان أبعد من مجرد تغيير في طبيعة الوجود الدولي في الجنوب؛ فهي ترتبط بإعادة تحديد الأدوار بين الدولة اللبنانية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وبمدى قدرة الجيش اللبناني على تحمل مسؤوليات أمنية أكبر، وبكيفية الحفاظ على آليات المراقبة والتواصل التي تحول دون اتساع التوتر.

وبينما ينص القرار الدولي على أن تصبح الدولة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب، فإن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب انتقالا منظما ومدعوما دوليا، خصوصا أن الانسحاب يأتي في بيئة أمنية لا تزال شديدة الحساسية. ومن هنا، فإن الأسئلة المطروحة في بيروت والجنوب لا تتعلق فقط بـ«من سيحل محل اليونيفيل؟»، وإنما أيضا بكيفية ضمان استمرار الاستقرار، ودعم الجيش، وحماية المدنيين، والحفاظ على دور الأمم المتحدة في تطبيق القرار 1701 بعد انتهاء مهمة القوة بصيغتها الحالية.