يطلق متحف برادو الوطني في مدريد، و متحف ريكسميوزيوم في أمستردام، مشروعًا بحثيًا مشتركًا لدراسة الدور الذي لعبته الحاكمات والنساء صاحبات النفوذ في أوروبا خلال القرن السادس عشر وتأثيرهن في الفن و الفنانين، مع التركيز بصورة خاصة على نساء أسرة هابسبورج، في محاولة لإعادة تسليط الضوء على تأثير فني وسياسي ظل لفترة طويلة أقل حضورًا في الروايات التقليدية لتاريخ الفن.
وذكرت صحيفة الفن "The Art Newspaper"، في تقرير لها، أن المشروع سيبحث في مفهوم جديد يطلق عليه القائمون عليه اسم "ماتروناج" matronage، في مقابل مفهوم "باتروناج" patronage، للإشارة إلى الدور الذي لعبته النساء الحاكمات في رعاية الفنون واقتناء الأعمال وتكليف الفنانين، إلى جانب استخدام الفن لتشكيل صورتهن العامة وإظهار مكانتهن السياسية والاجتماعية.
ويرتبط المشروع بتاريخ الإمبراطورية الهابسبورجية، التي ضمت مناطق واسعة من أوروبا، من بينها إسبانيا وهولندا، وخلال القرن السادس عشر، تولت عدد من النساء من أسرة هابسبورج إدارة الأراضي المنخفضة نيابة عن الحكام، ومن بينهن مارجريت النمساوية، وماري المجرية، ومارجريت بارما، اللاتي امتدت فترات حكمهن مجتمعة لما يقرب من 60 عامًا.
وقالت الرئيسة المشاركة لمشروع "نساء ريكسميوزيوم" Women of the Rijksmuseum ماريون أنكر، إن التاريخ المشترك بين إسبانيا وهولندا خلال عصر هابسبورج يتضمن حضورًا قويًا للنساء، إذ أرسل الإمبراطور شارل الخامس ثم الملك فيليب الثاني نساء من أسرة هابسبورج إلى الأراضي المنخفضة للحكم نيابة عنهما، وأضافت أن هذه المساحة السياسية الواسعة خلقت دورًا غير معتاد لنساء امتلكن سلطة مباشرة في إدارة مناطق مهمة من الإمبراطورية.
ويشمل التعاون برنامجًا للزمالة البحثية يبدأ في سبتمبر 2027، يتيح لباحث ما بعد الدكتوراة الوصول إلى أرشيفات ومجموعات متحف برادو وريكسميوم، ودراسة دور النساء في الحكم وأساليب تمثيلهن في الفن، على أن تسهم نتائج البحث في مشروعات المؤسسة والمعرض المرتقب.
ومن المقرر أن تتوج الشراكة بمعرض في ريكسميوزيوم عام 2029، يركز على تأثير مارجريت النمساوية وماري المجرية ومارجريت بارما في الفن خلال فترات حكمهن للأراضي المنخفضة في القرن السادس عشر، كما ستتضمن الشراكة سلسلة من اللقاءات التي تجمع خبراء وباحثين لمناقشة تأثير هذه المرحلة من صعود النساء إلى مواقع السلطة في الإنتاج الفني والثقافة السياسية.
وتقول المديرة العلمية لمشروع "إل برادو إن فيمينينو" El Prado en femenino نوليا جارسيا بيريز، إن هذه الشخصيات النسائية لا تحظى اليوم بالقدر نفسه من المعرفة العامة رغم أدوارهن المهمة في رعاية الفنون، وتبرز بصورة خاصة ماري المجرية، التي كانت حاكمة للأراضي المنخفضة وملكة للمجر وبوهيميا، والتي امتلكت أعمالًا للفنان الإيطالي تيتيان وكلفته بتنفيذ أعمال فنية ضخمة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك امتلاك ماري المجرية لوحة تيتيان "الإمبراطور شارل الخامس في مولبرج" Emperor Charles V at Mühlberg التي أنجزت عام 1548، إضافة إلى تكليفها الفنان بتنفيذ سلسلة "الغضبات الأربع" The Four Furies بين عامي 1548 و1549، لتزيين القاعة الكبرى في قصرها بمدينة بينش.
وترى جارسيا بيريز أن اختيار ماري لهذه الأعمال لم يكن مجرد قرار جمالي أو زخرفي، مشيرة إلى سلسلة "الغضبات الأربع"، وأنه يمكن قراءة اختيارها في سياق الرسائل المرتبطة بالسلطة الإمبراطورية وعواقب تحديها، وبهذا يصبح العمل الفني جزءًا من أدوات التعبير السياسي إلى جانب قيمته الفنية.
ولا يقتصر المشروع على دراسة الأعمال التي اقتنتها النساء أو الفنانين الذين كلفنهم، بل يبحث أيضًا في الطريقة التي استخدمن بها الفن لتقديم صورهن أمام الجمهور وترسيخ سلطتهن، وتشير أنكر إلى أن بعض الحاكمات استخدمن صورهن الشخصية لإظهار المكانة والاستقلال، ومن بين الأساليب التي ظهرت في صور الأرامل ارتداء غطاء الرأس الخاص بالأرملة، في إشارة إلى وضعهن الاجتماعي والسياسي.
وتوضح "أنكر" أن النساء الحاكمات تعاملن مع الفنانين البارزين في عصرهن، ومن بينهم تيتيان، لكن الطريقة التي قدمن بها أنفسهن من خلال الفن اختلفت عن أساليب الحكام الرجال، ومن هنا يسعى المشروع إلى دراسة العلاقة بين السلطة والصورة الفنية، وكيف أسهمت النساء في تشكيل الطريقة التي ظهرن بها أمام مجتمعاتهن والأجيال اللاحقة.
ويستند المشروع الجديد إلى جهود منفصلة بدأها المتحفان خلال السنوات الماضية لزيادة حضور النساء في مجموعاتهما، ويعمل مشروع "إل برادو إن فيمينينو" في مدريد على إبراز النساء بوصفهن فنانات وراعيات للفن وشخصيات مؤثرة داخل مجموعات المتحف، بينما بدأ مشروع "نساء ريكسميوزيوم" عام 2021 لدراسة حضور النساء في مجموعات المتحف الهولندي، وشملت أبحاثه حتى الآن أكثر من 450 قطعة فنية.
يذكر أن القرن السادس عشر شهد توسعًا كبيرًا في نفوذ أسرة هابسبورج في أوروبا، وكانت الأراضي المنخفضة جزءًا مهمًا من الإمبراطورية، وتولت مارجريت النمساوية وماري المجرية ومارجريت بارما الحكم هناك في فترات مختلفة، كما ارتبطت أسماؤهن برعاية الفنانين واقتناء الأعمال الفنية.
يأتي التعاون بين برادو وريكسميوم ضمن جهود المؤسستين لإعادة دراسة دور النساء في تاريخ الفن، ومن المقرر أن يبدأ برنامج الزمالة البحثية في سبتمبر 2027، بينما يقام المعرض الرئيسي في أمستردام عام 2029.