في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى تحركات الطائرات الأمريكية من قاعدة فيرفورد البريطانية والتوتر في مضيق هرمز والهجمات الروسية على جسور كييف، يحذر خبير بريطاني من تهديد أكثر خطورة، وهو: تفشي الطاعون في سيبيريا.
جاء التحذير على لسان العقيد هاميش دي بريتون جوردون، القائد السابق لقوات الدفاع ضد الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية في بريطانيا وحلف الناتو، في مقال نشرته صحيفة "التليجراف" البريطانية.
وفاة مشبوهة وحجر صحي
وقال بريتون جوردون: "لقد أمضيت جزءاً كبيراً من مسيرتي في مجال الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ولاحظت أمراً واحداً دائماً: السياسيون يفهمون القنابل والرصاص والدبابات والصواريخ والطائرات، لكن عندما يتعلق الأمر بالحشرات والسموم غير المرئية فإنهم يتجاهلونها تماماً، وهذا غير مقبول".
وأوضح أن الحقائق حتى الآن تشير إلى وفاة عامل في مختبر للأمراض المعدية بالقرب من مدينة إيركوتسك السيبيرية جراء إصابته بالطاعون الرئوي، ربما إثر حادث داخل المختبر، مع فرض الحجر الصحي على عدة مستشفيات في المنطقة، وإلزام مصنع محلي بارتداء الكمامات، ثم سحب أو تعديل العديد من التقارير للقول إن الوضع طبيعي.
رواية تتحول إلى واقع
وأشار إلى أن رواية آني جاكوبسن الجديدة "الحرب البيولوجية" تبدأ بتفشي وباء الطاعون في سيبيريا يتحول إلى كارثة عالمية، وهي رواية خيالية لكنها مرعبة لأنها تبدو واقعية للغاية.
وأضاف أن الطاعون مرض خطير للغاية، فقد أودى الموت الأسود بحياة ما بين ثلث إلى ثلثي سكان أوروبا في القرن الرابع عشر، ولا يزال قاتلاً إذا لم يعالج، رغم أن المضادات الحيوية الحديثة فعالة جداً إذا تم التشخيص بسرعة، لكن ظهور مسبب مرض خطير في مختبر عالي العزل، خاصة عندما تكون المعلومات شحيحة، يجب أن يثير التدقيق الدولي الفوري وليس مجرد الذعر.
إرث "بيوبريبارات" السوفيتي
ولفت إلى أن روسيا لديها سوابق خطيرة، فخلال الحرب الباردة كشف منشقون مثل فلاديمير باسيتشنيك النطاق الهائل لبرنامج الأسلحة البيولوجية الهجومية السوفيتي المعروف باسم "بيوبريبارات"، وهو مشروع حكومي ضخم مكرس لتطوير الأسلحة البيولوجية، وانهار الاتحاد السوفيتي لكن هذه المعرفة لم تختفِ.
وأكد أن القدرات الهجومية العسكرية الروسية في مجال الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لا تزال كبيرة، وقد ارتبطت قواتها باستمرار بقدرات دفاعية، كما شهدنا استخدام روسيا المتكرر أو التهديد باستخدام أسلحة دمار شامل أخرى، مضيفاً: "لا يثبت أي من هذا أن موسكو تطور أو تستخدم سلاحاً بيولوجياً في سيبيريا، لكن من يعتقد بإمكانية تجاهل هذا الاحتمال يعيش في وهم خطير".
درس كوفيد لم يتعلمه أحد
وقال: "كان من المفترض أن يزيل كوفيد-19 هذا التهاون، فقد أظهر مدى سرعة انتقال مسببات الأمراض عبر الحدود واجتياح المجتمعات".
وتابع من واقع تجربته الشخصية، عندما كان هناك خوف من استخدام تنظيم القاعدة للجمرة الخبيثة في العراق أو أفغانستان، تم تطعيم الأفراد واتخاذ تدابير وقائية قبل نشرهم، لأن استخدام الأسلحة البيولوجية لا يمنحك رفاهية رؤية الصاروخ وهو يقترب منك، قد لا تدرك حتى أنك تعرضت لهجوم.
أسئلة بلا إجابات وشفافية مفقودة
وأضاف أن التقارير السيبيرية مثيرة للقلق، فإذا كان أحد العاملين قد أصيب بالفعل بالطاعون أثناء عمله، فالأسئلة البديهية هي: كيف حدث ذلك؟ ما هي السلالة؟ ما هي إجراءات الحماية التي لم تفعل؟ وهل تعرض أي شخص آخر للعدوى؟ ويجب الإجابة على هذه الأسئلة بسرعة وشفافية، بدلاً من تقييد المعلومات وقمع الإبلاغ، فإذا كان تفشي المرض طبيعياً وتحت السيطرة فيجب أن تكون الشفافية هي القاعدة، مذكراً بأنه خلال الفترة التي حاولت فيها الصين إخفاء كوفيد-19 انتشر المرض إلى كل ركن من أركان العالم.
التكنولوجيا الحيوية أخطر من النووي
وحذر من أن التكنولوجيا الحيوية تتقدم بوتيرة متسارعة للغاية، وتستطيع تقنيات مثل كريسبر تغيير المادة الوراثية بدقة مذهلة، كما أن الذكاء الاصطناعي قادر على تسريع الأبحاث البيولوجية، والتقنيات نفسها التي قد تساعد في علاج الأمراض قد تسهم إذا وقعت في الأيدي الخطأ في خلق تهديدات بيولوجية جديدة.
وقال: "لا أزعم أن تفشي المرض في سيبيريا كان مدبراً، فلا يوجد دليل يثبت ذلك، لكننا سنكون مقصرين إن تجاهلنا احتمال أن يصبح علم الأحياء قضية أمنية على نطاق يضاهي التكنولوجيا النووية".
فضيحة دولية: لا يوجد مفتشون للسلاح البيولوجي
وكشف عن ثغرة واضحة، حيث توجد آلاف المختبرات حول العالم تتعامل مع مسببات الأمراض الخطيرة، ومع ذلك فإن النظام الدولي للتحقق من الأسلحة البيولوجية ضعيف للغاية مقارنة بالنظام الذي يحكم الأسلحة الكيميائية.
وأوضح أن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية تضم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي يستطيع مفتشوها دخول المنشآت والتحقيق في الادعاءات وتوفير آلية دولية للمساءلة، بينما لا يوجد ما يماثلها لاتفاقية الأسلحة البيولوجية، واصفاً ذلك بأنه "فضيحة تنذر بكارثة"، داعياً لإنشاء منظمة لحظر الأسلحة البيولوجية تتمتع بتمويل كافٍ وقدرات تفتيش ومراقبة دولية وسلطة للتحقيق في حالات التفشي المشبوهة.
وختم قائلاً: "قد يتم احتواء تفشي الطاعون السيبيري بفعالية، وقد يتبين أنه طبيعي تماماً، آمل ذلك بشدة، ولكن علينا أن نستغل هذه اللحظة لنتساءل لماذا لم نكن أكثر استعداداً للتحقق من الحقائق فوراً، كان درس كوفيد قاسياً: مسببات الأمراض تنتشر أسرع من الحكومات، أما درس الحرب البيولوجية فهو أشد رعباً: فقد يقدم أحدهم على مساعدتها عمداً، على مدى عقود أنفقنا مليارات الدولارات استعداداً للقنابل والرصاص والصواريخ النووية، وقد آن الأوان لنولي الحشرات نفس القدر من الاهتمام، لأن المفاجأة الاستراتيجية القادمة قد لا تهبط من السماء بسرعة تفوق سرعة الصوت، بل قد تأتي على هيئة راكب مريض على متن إحدى آلاف الطائرات التي تهبط في هذا البلد يومياً".