قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

التحكيم المصري تحت المجهر.. لماذا تتكرر أزمات الحكام وتقنية VAR؟

التحكيم المصري وتقنية الفار
التحكيم المصري وتقنية الفار

 بين شكاوى الأندية، والقرارات المثيرة للجدل، وتغيير رؤساء لجنة الحكام، لا تزال أزمة التحكيم المصري تفرض نفسها على مشهد كرة القدم، فبعد سنوات من الاستعانة بخبراء أجانب، وتطبيق تقنية الفيديو، وإطلاق مبادرات لتطوير الحكام، تتجدد الانتقادات مع كل مباراة كبيرة. 

فهل تكمن المشكلة في أخطاء الحكام وحدها، أم أن الأزمة أعمق وتتعلق بإدارة المنظومة وإعداد كوادرها وغياب الشفافية؟

من أزمة التسجيلات إلى تغيير لجان الحكام.. مسلسل لا ينتهي

لم تعد أزمات التحكيم في الكرة المصرية مرتبطة بقرار خاطئ داخل منطقة الجزاء أو بطاقة مثيرة للجدل، بل امتدت في بعض الأحيان إلى طريقة إدارة المنظومة نفسها.

ومن أبرز الوقائع التي كشفت حجم الأزمة ما حدث في نوفمبر 2024، عقب مباراة الزمالك والبنك الأهلي، التي شهدت احتساب ركلة جزاء للفريق الأبيض في الوقت بدل الضائع بعد مراجعة تقنية الفيديو، وانتهت بفوزه 3-2.

وبعد المباراة، انتشر تسجيل صوتي منسوب إلى الحكم محمد عادل خلال التواصل مع غرفة تقنية الفيديو، وأثار جدلًا واسعًا، قبل أن يعلن الحكم أن التسجيل مفبرك باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأنه تقدم ببلاغ للنيابة. وأعلن اتحاد الكرة إقالة لجنة الحكام آنذاك برئاسة محمد فاروق وتشكيل لجنة جديدة برئاسة ياسر عبد الرؤوف.

وتكشف هذه الواقعة أن الأزمة لم تكن مجرد خلاف حول قرار تحكيمي، بل امتدت إلى الثقة في آليات إدارة المباريات والتعامل مع المعلومات المتداولة بشأن الحكام. 

تغيير الخبراء الأجانب.. هل كان الحل في الاستعانة بالأجانب؟

اتجه اتحاد الكرة المصري خلال السنوات الأخيرة إلى الاستعانة بخبرات أجنبية لإدارة لجنة الحكام، في محاولة لتحسين الأداء وتقليل الانتقادات.

ففي أغسطس 2022، تولى الإنجليزي مارك كلاتنبرج رئاسة لجنة الحكام، لكنه غادر منصبه بعد نحو خمسة أشهر، وسط خلافات وأزمات أثارت جدلًا واسعًا.

وفي مارس 2023، تولى البرتغالي فيتور بيريرا المهمة، لكن الانتقادات استمرت خلال فترة عمله، قبل أن تتجه الأنظار مجددًا إلى تغيير القيادة.

وفي فبراير 2025، أعلن اتحاد الكرة تعيين الكولومبي أوسكار رويز رئيسًا للجنة الحكام، على أن يبدأ مهمته في الأول من مارس، مستفيدًا من خبرته الدولية ومشاركته في إدارة بطولات كبرى.

لكن وجود خبير أجنبي على رأس المنظومة لم يكن كافيًا وحده لإنهاء الجدل، وهو ما يطرح تساؤلًا مهمًا: هل المشكلة في جنسية رئيس اللجنة، أم في آليات العمل والتأهيل والرقابة داخل منظومة التحكيم؟

القمة بين الأهلي والزمالك.. نموذج لتجدد أزمة الثقة

عادت أزمة التحكيم إلى الواجهة بقوة عقب مباراة الأهلي والزمالك في الدوري المصري، التي أقيمت في أكتوبر 2026، وانتهت بفوز الأهلي بهدفين دون رد.

وأعلن الزمالك تقدمه بشكوى رسمية إلى اتحاد الكرة ضد لجنة الحكام، معترضًا على عدد من القرارات التي شهدتها المباراة، ومشيرًا إلى وجود ركلتي جزاء لم يتم احتسابهما، إلى جانب اعتراضه على عدم مراجعة بعض الحالات عبر تقنية الفيديو.

ومن المهم التأكيد أن هذه الاعتراضات تمثل موقف النادي وتقييمه للحالات، ولا تعني ثبوت وجود تعمد أو تحيز من طاقم التحكيم.

وامتدت الأزمة إلى ملف الاستماع لتسجيلات غرفة تقنية الفيديو؛ فبحسب ما نشر في التقارير الصحفية في 18 أكتوبر، كان عصام عبد الفتاح قد أكد في سبتمبر إمكانية تقدم الأندية بطلب للاستماع إلى المحادثات وفق ضوابط الاتحاد، قبل أن ينشر الموقع لاحقًا أن رد اتحاد الكرة على طلب الزمالك تضمن رفض الاستماع إلى تسجيلات مباراة القمة.

وهنا يظهر أحد أبرز مطالب الأندية والجماهير: كيف يمكن بناء الثقة في القرارات التحكيمية إذا لم تكن هناك آلية واضحة ومعلنة لشرح الحالات المثيرة للجدل؟

تقنية VAR.. لماذا لم تنه الأخطاء التحكيمية؟

كان دخول تقنية حكم الفيديو المساعد إلى كرة القدم بمثابة خطوة مهمة لتقليل الأخطاء المؤثرة، لكن وجود التقنية لا يعني اختفاء الجدل أو الوصول إلى قرارات صحيحة بنسبة 100%.

فوفقًا لقوانين مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم «IFAB»، لا يتدخل حكم الفيديو في كل مخالفة، وإنما يقتصر دوره على أربع حالات رئيسية:

  • احتساب هدف أو عدم احتسابه.
  • ركلات الجزاء أو عدم احتسابها.
  • حالات الطرد المباشر.
  • الخطأ في تحديد هوية اللاعب الذي يستحق العقوبة.

كما يشترط البروتوكول وجود خطأ واضح وجلي أو واقعة خطيرة لم يتم الانتباه إليها، بينما يظل القرار النهائي من اختصاص حكم الساحة.

وهذا يعني أن مطالبة الجماهير بمراجعة كل التحامات أو الأخطاء المحتملة لا تتوافق بالضرورة مع قواعد استخدام التقنية، كما أن اختلاف التقدير في بعض الحالات يظل واردًا حتى بعد مراجعة اللقطات.

هل بدأت خطوات حقيقية لتطوير التحكيم المصري؟

رغم استمرار الانتقادات، شهد عام 2026 إعلان عدد من الخطوات التي تستهدف تطوير المنظومة.

ففي أغسطس 2026، أُطلقت منصة «Modern Referee» لتوفير مواد تعليمية واختبارات دورية للحكام، تشمل الجوانب النظرية وتحليل الحالات المصورة، مثل لمسات اليد والتسلل والأخطاء واستخدام تقنية الفيديو.

كما تضمنت الخطة اختبارات للياقة البدنية، وتوزيع مهام التطوير على مجموعة من الحكام الدوليين السابقين، مع تخصيص جانب لتطوير حكام تقنية الفيديو والحكام المساعدين.

وأقر سمير عثمان، نائب رئيس لجنة الحكام، بوجود قصور سابق في الإعداد العلمي للحكام، سواء على مستوى المادة التعليمية أو تطبيقها عمليًا، وهو اعتراف يسلط الضوء على جانب مهم من المشكلة، بعيدًا عن الجدل حول القرارات الفردية.

وتضمنت الخطوات المعلنة أيضًا الإعلان عن دفعة جديدة من الحكام، وتنظيم دورة للحصول على رخصة تقنية الفيديو خلال نوفمبر 2026، وفقًا لما نشره الموقع الرسمي لاتحاد الكرة.

ما الذي تحتاجه منظومة التحكيم للخروج من دائرة الأزمات؟

من خلال الوقائع السابقة، يمكن تحديد مجموعة من الملفات التي تحتاج إلى اهتمام أكبر حتى لا تظل أزمة التحكيم مرتبطة بتغيير رئيس اللجنة أو تقديم شكوى بعد كل مباراة كبيرة:

أولًا: تطوير الإعداد العلمي والعملي للحكام

 لا يكفي تنظيم دورات نظرية، بل يجب أن يكون هناك تقييم مستمر لأداء الحكم داخل الملعب، ومراجعة للحالات التي يتخذ فيها قرارات مؤثرة.

ثانيًا: تعزيز الشفافية

إعلان التفسيرات الفنية للحالات الجدلية، وتوضيح أسباب تدخل تقنية الفيديو أو عدم تدخلها، يمكن أن يساعد على تقليل مساحة الشك لدى الجماهير والأندية.

ثالثًا: وضع معايير واضحة للمحاسبة

 من المهم وجود نظام تقييم معلن، يحدد كيفية مراجعة أداء الحكام والتعامل مع الأخطاء المؤثرة، بعيدًا عن القرارات التي قد تبدو مرتبطة بالضغوط الإعلامية أو الجماهيرية.

رابعًا: حماية استقلال الحكام.

 يجب توفير بيئة عمل تسمح للحكم باتخاذ قراره دون ضغوط من الأندية أو وسائل الإعلام أو الجماهير، مع وجود آليات مؤسسية للتعامل مع الأخطاء والاعتراضات.

خامسًا: تطوير حكام تقنية الفيديو.

 لأن جودة القرار لا تعتمد على حكم الساحة وحده، بل تتطلب تعاونًا فعالًا بينه وبين طاقم غرفة الفيديو، مع سرعة المراجعة ودقة اختيار اللقطات.

الخلاصة.. هل المشكلة في الحكم أم في المنظومة؟

لا يمكن اختزال أزمة التحكيم المصري في أخطاء بعض الحكام، كما لا يمكن اعتبار كل اعتراض يصدر عن نادٍ دليلًا على وجود تحيز أو تعمد. 

لكن تكرار الأزمات وتغير قيادات لجنة الحكام واستمرار الجدل حول تقنية الفيديو تكشف أن الحل لا يرتبط بشخص واحد أو قرار إداري منفرد.

التحدي الحقيقي أمام اتحاد الكرة ولجنة الحكام هو تحويل خطط التطوير المعلنة إلى نتائج ملموسة داخل الملعب، وبناء منظومة تعتمد على التأهيل المستمر والشفافية والمحاسبة العادلة.

ففي النهاية، لن تستعيد الكرة المصرية ثقة جماهيرها في التحكيم بمجرد تغيير أسماء المسؤولين، وإنما عندما يصبح القرار التحكيمي مفهومًا، وتكون آلية مراجعته واضحة، ويشعر الجميع بأن القواعد تُطبق على جميع الأندية دون استثناء.