تواجه القارة الأوروبية موجة متلاحقة من الاختراقات السيبرانية والتهديدات الأمنية، طالت قطاعات حيوية تشمل الطيران والتجارة والخدمات المصرفية والإمدادات الطبية، في تطورات متزامنة أثارت مخاوف بشأن اتساع نطاق الهجمات التي تستهدف البنية التحتية المدنية، وقدرة الجهات المنفذة على إحداث اضطرابات واسعة دون اللجوء إلى مواجهات عسكرية مباشرة.

وخلال أيام قليلة، شهدت مطارات أوروبية سلسلة غير معتادة من البلاغات الكاذبة بوجود قنابل على متن طائرات ركاب، بالتزامن مع اختراق أنظمة التبريد في عشرات المتاجر الكبرى بعدة دول، وامتداد الهجمات إلى منشآت تابعة لخدمة الدم الوطنية في فرنسا، فضلا عن تعرض بنك فرنسي لهجوم سيبراني أسفر عن تحويلات مالية احتيالية قُدرت بنحو 100 مليون يورو.
ويعيد تزامن هذه الوقائع إلى الواجهة مخاوف أوروبية متزايدة من تصاعد ما يُعرف بـ«الحرب الهجينة»، التي تعتمد على توظيف الهجمات السيبرانية والتضليل والتهديدات الأمنية وتعطيل الخدمات الحيوية لإرباك المجتمعات والاقتصادات، دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية التقليدية.

12 إنذارا على الأقل تستهدف طائرات أوروبية
كان قطاع الطيران من أكثر القطاعات تعرضا للاضطرابات خلال الساعات الأخيرة، بعدما رصدت تقارير إعلامية أكثر من 12 إنذارا بوجود قنابل على متن رحلات جوية في أنحاء أوروبا، الخميس، في موجة استدعت تحويل مسارات طائرات وإجراء عمليات تفتيش أمنية واسعة، إلى جانب الاستعانة بمقاتلات عسكرية لمرافقة بعض الرحلات.
ووفقا لوكالة «أسوشيتد برس»، شملت التهديدات رحلات قادمة من مدن أوروبية عدة، بينها كوبنهاجن ودبلن وهلسنكي ومدريد وميلانو ووارسو، فيما اضطرت بعض الطائرات إلى الهبوط في مطارات بديلة، بينما وصلت رحلات أخرى إلى وجهاتها تحت إجراءات أمنية مشددة.
ومن أبرز الحوادث تحويل مسار رحلة تابعة لشركة «إير لينجوس» كانت متجهة من دبلن إلى روما، إلى قاعدة عسكرية فرنسية في إيفرو بمنطقة نورماندي، حيث جرى إجلاء 151 راكبا و6 من أفراد الطاقم إلى مكان آمن، وبدأت فرق مكافحة المتفجرات فحص الطائرة.
كما رافقت مقاتلات إيطالية طائرة تابعة لشركة «فين إير» قادمة من هلسنكي إلى روما، عقب تلقي تهديد بوجود قنبلة، فيما هبطت طائرة تابعة لشركة «LOT» البولندية في بروكسل بعد إخضاعها لإجراءات التفتيش، دون العثور على أجسام مثيرة للريبة.
وفي بلغاريا، اضطرت ثلاث طائرات إلى الهبوط بعد تلقي تهديدات مماثلة، كما أعلنت الشرطة التشيكية تعرض أربع طائرات متجهة إلى براغ لبلاغات بوجود قنابل، مشيرة إلى أن تقييمها الأولي لمصداقية التهديدات منخفض، لكنها فعّلت الإجراءات الأمنية اللازمة.
ولم تسفر عمليات التفتيش التي اكتملت حتى الآن عن العثور على متفجرات أو مواد مشبوهة، فيما لم تتضح هوية الجهات التي تقف وراء هذه البلاغات أو دوافعها.
ولم تكن هذه الحوادث الأولى من نوعها خلال الأسبوع الجاري، إذ استهدفت تهديدات مماثلة سبع رحلات على الأقل في موجة سابقة، تسببت في إغلاق مؤقت لأحد مطارات وارسو، واستدعاء مقاتلات إيطالية لمرافقة طائرة ركاب إلى روما.

اختراق ثلاجات المتاجر.. قراصنة يتلاعبون بإمدادات الغذاء
وبالتوازي مع اضطرابات حركة الطيران، امتدت الهجمات السيبرانية إلى قطاع تجارة التجزئة، بعدما تمكن قراصنة من اختراق أنظمة التحكم في الثلاجات والمجمدات داخل متاجر كبرى في ثماني دول أوروبية.
وشملت الهجمات بلجيكا والسويد وهولندا وإستونيا ولوكسمبورج وفنلندا وأيرلندا ودولا أوروبية أخرى، حيث جرى التلاعب بدرجات حرارة أجهزة التبريد عن بُعد، وتعطيل بعض أنظمة التجميد أو تشغيل خاصية إزالة الثلوج، ما أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة وإفساد كميات كبيرة من الأغذية، واضطرار المتاجر إلى التخلص منها وإعادة ملء وحدات التبريد بمنتجات جديدة.
وذكرت وكالة «رويترز» أن الهجوم الأخير جاء بعد واقعة مماثلة استهدفت عشرات المتاجر الفرنسية قبل نحو ثلاثة أسابيع، وطالت أنظمة تبريد في متاجر تابعة لسلاسل كبرى، بينها «كارفور».
وأثارت هذه الاختراقات مخاوف بشأن ضعف الحماية الرقمية للأجهزة المتصلة بالإنترنت، بعدما تبين أن بعض أنظمة التحكم في التبريد يمكن الوصول إليها من خارج شبكات المتاجر، وهو ما دفع شركات التجزئة إلى فصل وحدات متضررة عن الإنترنت ومراجعة أنظمتها الأمنية وتحديث معداتها.
وحذرت وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني من أهمية تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول الأوروبية لمواجهة الهجمات التي تستهدف قطاعات التجارة والبنية التحتية.
الهجمات تصل إلى بنوك الدم الفرنسية
وفي تطور أكثر حساسية، أعلنت السلطات الفرنسية تعرض أنظمة التبريد والتحكم في درجات الحرارة داخل ثلاثة مواقع إقليمية تابعة للمؤسسة الفرنسية للدم (EFS) لهجوم سيبراني، استهدف منشآت تخزين البلازما المستخدمة في عمليات نقل الدم وتصنيع الأدوية.
ووفق وزارة الصحة الفرنسية، تعرضت أنظمة المراقبة والتحكم في غرف التخزين البارد للاختراق، فيما جرى رفع حدود درجات الحرارة وإزالة الثلوج إلى مستويات مرتفعة للغاية، بما كان يهدد سلامة المنتجات المخزنة.
وأوضحت المؤسسة الفرنسية للدم أن أنظمة الإنذار والمراقبة رصدت التغييرات غير الطبيعية سريعا، ما أتاح للعاملين نقل المنتجات إلى وحدات تبريد احتياطية غير متصلة بالأنظمة المخترقة، قبل تعرضها للتلف.
وأكدت السلطات عدم تسجيل أي خسائر في منتجات الدم أو البلازما، وعدم حدوث تداعيات صحية، مع استمرار عمليات جمع الدم وتوزيعه دون انقطاع.
وأشارت التحقيقات الأولية إلى أن الاختراق استهدف أنظمة تابعة لمورد تجهيزات التبريد، وليس المؤسسة الفرنسية للدم بصورة مباشرة، فيما بدأت السلطات المختصة بالأمن السيبراني ووزارة الصحة تحقيقات لتحديد كيفية تنفيذ الهجوم ومصدره.

بنك فرنسي يخسر نحو 100 مليون يورو في هجوم سيبراني
ولم تتوقف الاختراقات عند قطاعات الغذاء والرعاية الصحية، إذ تعرض بنك «كريدي موتوييل أركيا» الفرنسي لهجوم سيبراني متطور مكّن القراصنة من تنفيذ تحويلات مالية احتيالية تقدر بنحو 100 مليون يورو.
ووفقا لوكالة «فرانس برس»، تمكن المهاجمون من الوصول إلى حساب تابع للبنك واستخدامه في تحويل الأموال إلى مؤسسات مصرفية أخرى، قبل نقل جزء منها إلى عملات مشفرة عبر منصات متخصصة.
وأكد البنك احتواء الهجوم، مشيرا إلى أن حسابات العملاء لم تتعرض للاختراق ولم يتكبدوا خسائر مالية، كما نجحت المؤسسة في تجميد جزء من الأموال المحولة، وتواصل جهودها لاستعادة المبالغ المتبقية.
واستبعد البنك أن تكون التحويلات نتيجة أخطاء بشرية، واصفا الواقعة بأنها هجوم متطور من الخارج، فيما فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقا لتحديد آلية الاختراق والجهات المتورطة.
ولم يؤكد البنك القيمة الدقيقة للأموال التي شملتها العمليات، لكنه أقر بأن حجمها يقع في النطاق الذي تداولته التقارير الإعلامية.

هل تواجه أوروبا حربا هجينة تستهدف البنية التحتية المدنية؟
وتثير هذه الوقائع المتزامنة تساؤلات بشأن طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجهها أوروبا، خاصة مع انتقال الهجمات من استهداف المؤسسات المالية والأنظمة الرقمية إلى مرافق ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين، مثل متاجر الأغذية ومخازن الدم وشبكات النقل الجوي.
ويكمن القاسم المشترك بين عدد من هذه الحوادث في استهداف أنظمة مدنية متصلة بالإنترنت، يمكن التلاعب بها لإحداث خسائر اقتصادية أو اضطرابات تشغيلية أو إثارة حالة من القلق العام، دون الحاجة إلى تدمير المنشآت بصورة مادية.
كما أن البلاغات الكاذبة بوجود قنابل، حتى عندما لا تسفر عمليات التفتيش عن العثور على متفجرات، تفرض على المطارات وشركات الطيران تعبئة موارد أمنية وعسكرية، وتؤدي إلى تغيير مسارات الرحلات وتعطيل حركة المسافرين، وهو ما يضاعف الأثر الاقتصادي والنفسي لهذه التهديدات.
وتشير وكالة «أسوشيتد برس» إلى أن تكرار تهديدات الطائرات بالتزامن مع الهجمات على أنظمة تبريد المتاجر وتوغلات الطائرات المسيرة في الأجواء الأوروبية يعزز المخاوف المتعلقة بتصاعد التهديدات الهجينة، وهي أنماط من التحركات التي تستهدف إرباك المؤسسات وإضعاف الثقة في قدرة السلطات على حماية المرافق الحيوية.
لكن رغم التشابه في توقيت هذه الحوادث وطبيعة آثارها التخريبية، لم تعلن السلطات الأوروبية حتى الآن وجود دليل يثبت أنها جميعا جزء من عملية منسقة واحدة، كما لم تحدد جهة مسؤولة مشتركة عنها أو تعلن أي جهة تبنيها.
وتبقى التحقيقات الجارية في فرنسا وبلجيكا وعدد من الدول الأوروبية حاسمة في كشف ما إذا كانت هذه الوقائع حوادث منفصلة استغلت ثغرات أمنية متشابهة، أم أنها تمثل أجزاء من نمط أوسع من الهجمات الهجينة التي تستهدف الأمن الاقتصادي والمجتمعي الأوروبي.