هزيمة انتخابية مدوية تلاحق دونالد ترامب وتفقد حزبه السيطرة على الكونجرس، وخصم مجرم الحرب بنيامين نتنياهو يقترب من تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة بعد تكليفه من رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوج.. تطورات متلاحقة تعيد رسم المشهد السياسي في واشنطن وتل أبيب، وتفتح الباب أمام تساؤلات مصيرية بشأن مستقبل الصراع في الشرق الأوسط، هل تكون الهزائم السياسية بداية النهاية لحربي إيران وغزة، أم أن الحروب باتت أكبر من حسابات القادة ومصائرهم السياسية؟.
ترامب يخسر الكونجرس.. والحرب مع إيران تتحول إلى عبء سياسي
تلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة انتخابية قوية في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في 3 نوفمبر الجاري، بعدما نجح الحزب الديمقراطي في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ من الحزب الجمهوري، في نتيجة عكست حجم الغضب الشعبي من سياسات الإدارة الأمريكية، ووضعت الرئيس أمام تحديات سياسية كبيرة خلال العامين المتبقيين من ولايته.
ووفقًا لنتائج الانتخابات التي نقلتها وكالتا رويترز وأسوشيتد برس، حقق الديمقراطيون مكاسب واسعة في معاقل جمهورية تقليدية، وتمكنوا من انتزاع ما لا يقل عن 7 مقاعد في مجلس الشيوخ، إلى جانب أكثر من 30 مقعدًا في مجلس النواب، لتصبح هذه المرة الأولى خلال الولاية الحالية التي يواجه فيها ترامب كونجرس يسيطر عليه الديمقراطيون في غرفتيه.
ولم تكن هذه الخسارة مجرد تراجع في عدد المقاعد، بل جاءت بمثابة استفتاء سياسي على أداء ترامب، خاصة في ظل تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، فضلًا عن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي أصبحت أحد أبرز الملفات المؤثرة في توجهات الناخبين، مع تزايد المخاوف من تكلفتها الاقتصادية والعسكرية.
وتعني هذه النتيجة أن ترامب سيواجه صعوبة أكبر في تمرير تشريعاته ومشروعاته خلال الفترة المقبلة، كما سيحصل الديمقراطيون على صلاحيات أوسع لممارسة الرقابة على الإدارة الأمريكية وفتح التحقيقات بشأن سياساتها، فضلًا عن قدرتهم على تعطيل عدد من التعيينات والمشروعات التي تحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ.
ورغم ذلك، فإن خسارة الجمهوريين لا تعني سقوط ترامب من الرئاسة أو انتهاء ولايته، وإنما تضعه في موقف سياسي أضعف، وتقلص قدرته على تنفيذ أجندته الداخلية، وهو ما يفسر استخدام وصف «البطة العرجاء» للتعبير عن تراجع نفوذ الرئيس عندما يفقد حزبه السيطرة على الكونجرس.
إيران بين التصعيد والوساطة.. هل يبحث ترامب عن مخرج؟
وعلى صعيد الحرب الإيرانية، تبدو خسارة ترامب الانتخابية عامل ضغط إضافيًا على الإدارة الأمريكية للبحث عن مخرج سياسي للصراع، خاصة أن الحرب لم تحقق حتى الآن تسوية نهائية تنهي المواجهة بين واشنطن وطهران، رغم محاولات التهدئة والوساطة التي شهدتها الأشهر الماضية.
وبحسب تقارير رويترز، بدأت الحرب في 28 فبراير 2026، عقب هجمات أمريكية وإسرائيلية على إيران، قبل أن تدخل المواجهة في مراحل من التصعيد والتهدئة، مع التوصل إلى تفاهمات مؤقتة لوقف القتال في أبريل ويونيو، لكنها لم تنجح في وضع حد نهائي للصراع، وسط استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز والعقوبات الأمريكية.
وفي تطور لافت، تكثفت التحركات الدبلوماسية القطرية خلال الأيام الأخيرة لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، حيث أكد رئيس الوزراء القطري استمرار جهود الوساطة، معربًا عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق، رغم اتساع الفجوة بين مطالب الطرفين.
وتتمسك إيران بشروط تشمل رفع العقوبات النفطية الأمريكية، وإنهاء الحصار البحري، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع بشأن البرنامج النووي وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة مستقرة، بينما تصر واشنطن على معالجة الملف النووي وضمان عدم امتلاك طهران سلاحًا نوويًا.
ورغم المساعي الدبلوماسية، لم تتوقف مؤشرات التصعيد، إذ شهدت الأيام الأخيرة ضربات أمريكية محدودة استهدفت مواقع للدفاع الجوي الإيراني في جزيرة قشم، وهو ما يعكس أن التفاوض لا يزال يسير بالتوازي مع الضغط العسكري، وأن التوصل إلى اتفاق نهائي ليس أمرًا محسومًا.
وهنا يبرز السؤال بشأن تأثير خسارة ترامب على مستقبل الحرب؛ فالرئيس الأمريكي بات أمام ضغوط داخلية تتعلق بالاقتصاد وأسعار الوقود وتكاليف المواجهة العسكرية، وقد يدفعه ذلك إلى تسريع التوصل إلى اتفاق مع إيران لتقديمه باعتباره إنجازًا سياسيًا، لكن في المقابل لا يمكن استبعاد استمرار التصعيد إذا فشلت المفاوضات أو رفضت طهران الشروط الأمريكية.
نتنياهو يفقد المبادرة.. وخصمه يحصل على فرصة تشكيل الحكومة
وفي الاحتلال الإسرائيلي، تلقى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ضربة سياسية أخرى، بعدما اختار رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوج، يوم 7 نوفمبر، جادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب «يشار»، لتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، في خطوة تمثل انتكاسة لنتنياهو بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في 27 أكتوبر الماضي.
وجاء القرار بعد مشاورات أجراها هرتسوج مع ممثلي الأحزاب والكتل البرلمانية، أظهرت حصول آيزنكوت على توصيات من كتل تضم 67 عضوًا في الكنيست لتكليفه بتشكيل الحكومة، مقابل 46 عضوًا أوصوا بإعادة تكليف نتنياهو، بينما لم يوصِ ممثلو كتلة تضم 7 أعضاء بأي مرشح.
ورغم حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر آيزنكوت، فإن أيًا من الطرفين لم يتمكن من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعدًا من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست، فيما حصلت القائمتان العربيتان على 19 مقعدًا.
ويمثل تكليف آيزنكوت تطورًا مهمًا في المشهد الإسرائيلي، خاصة أنه كان من أبرز منتقدي إدارة نتنياهو للحرب على غزة، كما تعهد خلال حملته الانتخابية بالعمل على إنهاء حكم حركة حماس في القطاع، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة السياسة الإسرائيلية إذا نجح في تشكيل الحكومة.
لكن مهمة آيزنكوت لن تكون سهلة، إذ يتعين عليه بناء ائتلاف حكومي قادر على توفير الأغلبية البرلمانية، في ظل رفضه المعلن تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، رغم أن توصياتها كانت عاملًا أساسيًا في حصوله على فرصة التكليف، فضلًا عن وجود خلافات داخل معسكره بشأن التحالف مع الأحزاب الدينية المتشددة.
ويملك آيزنكوت 28 يومًا لتشكيل الحكومة، مع إمكانية حصوله على تمديد لمدة 14 يومًا، وفي حال فشله قد تنتقل فرصة تشكيل الحكومة إلى نتنياهو أو مرشح آخر، بما يعني أن التكليف لا يمثل حتى الآن نهاية حكم رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، وإنما بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي على السلطة.
غزة.. وقف إطلاق النار والطريق إلى السلام
أما في قطاع غزة، فلا تزال الصورة أكثر تعقيدًا، إذ لم يؤد وقف إطلاق النار إلى إنهاء الأزمة الإنسانية أو وضع حد نهائي للمواجهات، كما لا تزال الملفات الأساسية المتعلقة بمستقبل القطاع والانسحاب الإسرائيلي وسلاح حماس وإعادة الإعمار عالقة دون تسوية شاملة.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، فإن التطورات الميدانية كشفت عن استمرار الخروقات والضربات الإسرائيلية، بالتزامن مع تعثر المفاوضات بشأن الانتقال إلى المراحل التالية من الاتفاق، والتي تتضمن ترتيبات أمنية وإدارية جديدة للقطاع وانسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة الإعمار.
ووفقًا لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 6 نوفمبر 2026، لا تزال الضربات الإسرائيلية وإطلاق النار والقصف تؤدي إلى سقوط ضحايا في مناطق مأهولة بالسكان، كما تواجه العمليات الإنسانية صعوبات كبيرة بسبب القيود المفروضة على دخول المساعدات والمواد الأساسية.
وأشار التقرير إلى أن وزارة الصحة في غزة سجلت مقتل 36 فلسطينيًا وإصابة 145 آخرين خلال الفترة من 27 أكتوبر إلى 2 نوفمبر، لترتفع الحصيلة المعلنة للضحايا منذ بدء وقف إطلاق النار إلى 1593 قتيلًا و5748 مصابًا.
وفي الوقت نفسه، لا تزال المفاوضات تواجه خلافات جوهرية بشأن نزع سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، وشكل الإدارة الفلسطينية التي ستتولى إدارة القطاع، إلى جانب مستقبل القوة الدولية المقترحة للإشراف على الترتيبات الأمنية، وهي ملفات تجعل الانتقال من وقف إطلاق النار إلى سلام مستدام أمرًا بالغ الصعوبة.
وزادت الأمطار والسيول التي شهدها القطاع خلال الأيام الأخيرة من معاناة النازحين، بعدما تضررت عشرات الآلاف من الخيام، وفقًا لتقرير لوكالة رويترز في 7 نوفمبر، في ظل نقص الوقود والمعدات اللازمة للتعامل مع آثار السيول، واستمرار احتياج غالبية سكان القطاع إلى المأوى والمساعدات الإنسانية.
هل يغير رحيل نتنياهو مسار الحرب في غزة؟
ويبقى السؤال الأهم، :هل يؤدي نجاح آيزنكوت في تشكيل الحكومة إلى تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة؟
فبالرغم من انتقاداته لنتنياهو وطريقة إدارته للحرب، فإن آيزنكوت نفسه ينتمي إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ويتبنى مواقف أمنية متشددة تجاه حماس، كما وضع إنهاء حكم الحركة في القطاع ضمن شروطه السياسية لتشكيل الحكومة.
وبالتالي فإن وصوله إلى رئاسة الوزراء، إذا تحقق، قد يغير أسلوب إدارة الملفات السياسية والعسكرية، لكنه لا يضمن بالضرورة إنهاء الحرب أو الوصول إلى تسوية شاملة مع الفلسطينيين، خاصة أن الخلافات بشأن مستقبل غزة والانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حماس لا تزال قائمة.
هل تسقط الحروب بسقوط قادتها؟
في النهاية، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، فترامب يواجه كونجرس معارضًا بعد هزيمة انتخابية قاسية، ونتنياهو يخوض معركة سياسية غير مسبوقة للحفاظ على موقعه، بينما لا تزال إيران وغزة تدفعان ثمن صراعات لم تصل إلى نهايات واضحة.
وقد تمنح هذه التحولات فرصة جديدة للدبلوماسية، خاصة مع تزايد الضغوط الداخلية على ترامب، واحتمالات تغير القيادة السياسية في إسرائيل، لكن إنهاء الحروب لا يرتبط فقط بمصير الأشخاص، وإنما بقدرة الأطراف المتصارعة على معالجة جذور الخلافات والتوصل إلى اتفاقات تضمن وقف القتال وتحقيق الاستقرار.
فالسؤال لم يعد فقط من سيرحل ومن سيبقى في السلطة، وإنما هل تستطيع المنطقة الانتقال من مرحلة الحروب المفتوحة إلى تسويات سياسية حقيقية، أم أن رحيل بعض القادة لن يكون سوى بداية لفصل جديد من الصراع؟

