بالصور.. باعتراف قادة"تل أبيب": نكسة 67 حدثا استثنائيا ويصعب تكراره.. وحرب أكتوبر كشفت حجم اسرائيل الحقيقى
"موشي ديان": في حرب أكتوبر شعرت إسرائيل بحجمها الحقيقي.. وبزيف الدعاية الضخمة التي اطلقتها في67
"شارون": نكسة 67 كانت نتيجة للتأخر في توظيف الاستعدادات المصرية في الوقت والمكان المناسب
"جولدا مائير": حرب أكتوبر تشكل مصيبة كبرى وهاجسًا عشته سيبقى دائمًا في فكري
تعتبر حرب يونيو 1967 نقطة تحول جذرية في الصراع العربي الإسرائيلي، وخاصة في مصير الشعب العربي الذي أصيب بصدمة نتيجة لهذه الحرب، وكان جمال عبد الناصر دائمًا في نظر العرب القائد الملهم الذي يأتي بكل ما يذهل العالم. ولكن لكل منا إنجازات وإخفاقات، وبالتالي عند الحكم على شخص أو موقف تاريخي لابد أن نحكم في ظل الإطار الزمني والظروف والملابسات المحيطة باتخاذ القرار وقت اتخاذه.
لقد حاولت الدعاية الإسرائيلية أن تبرهن أن حرب67 قاعدة لا تقبل الجدل؛ من أجل مساعدة المجتمع الإسرائيلي على إحداث نوع من التماسك، والتعايش وسط المنطقة العربية. ولذا وجب علينا أن نرسم صورة لمستقبلنا ومستقبل عدونا، ووجب علينا أيضًا أن نلقي نظرة على الماضي، وكيف يفكر قادة إسرائيل وخاصة في حرب 1967، وهنا ننطلق من الماضى لنرسم صورة للمستقبل.
لقد اشترك أرئيل شارون في حرب 1956، ثم حرب 67 حيث قاد المجموعة التي استولت على ممر متلا. وقد عين بعد الحرب قائدًا للمنطقة الجنوبية، حيث طرد 600 بدوي من ديارهم في رفح. وقد كان شارون يكنّ حقدًا وكرهًا للقوات المسلحة المصرية منذ حرب 1956، حين هاجمت القوات الإسرائيلية من الجنوب واحتلت القسيمة.
ويقول أرئيل شارون في مذكراته عن حرب 1967: "كان المصريون قد أعادوا منذ 1956 بناء تحصينات أبي عجيلة على النمط السوفيتي الذي يفضل الخط الدفاعي المستقيم، فعلى بعد ما يقرب من 25 كيلو مترًا من حدودنا يمر طريق الإسماعيلية بمرتفع رملي طويل يدعى حَدَب أم قَطَف، وقد أعد المصريون فيه ثلاث شبكات من الخنادق المتوازية التي تقطع الطريق. وكانت كلُّ من هذه الخنادق، المحفورة شمال الطريق في كثبان رخوة وجنوبها في قمم مسننة وتلال خفيضة مليئة بالفجوات والشروخ، تمتد بطول عدة كيلو مترات، وتحوي بطاريات مدفعية ومخازن ذخيرة وممرات جانبية للاتصالات، وإلى الشرق من الخندق الأول يمتد حقل مزروع بالألغام، ويدافع عن الموقع المحصن لواء من المشاة، كما تحمى طوبوغرافية الأرض جنبيه، فيشكل حاجزًا منيعًا".
ولعل ما يمكن تفسيره من اعترافات شارون أن الهزيمة المصرية في حرب 67 لم تكن بسبب غياب الاستعدادات الضرورية للمواجهة العسكرية، بل كانت نتيجة للتأخر في توظيف هذه الاستعدادات في الوقت والمكان المناسب.
وفي 9 يونيو 1967 م، لم يبق أمام القوات المصرية سوى خيار الانسحاب بأسرع ما يمكن؛ حفاظًا على الأرواح.
وكان الجنود المصريون في تراجعهم حريصين بقدر الإمكان على إنزال أية خسائر موجعة في أية قوات إسرائيلية في طريقهم، فيقول أرئيل شارون فى هذا الصدد: "حتى ذلك الوقت كنا نطير فوق الطريق لنبتعد عن مرمى المصريين المنسحبين المنطلقين بين الكثبان والنتوءات، ولكن بما أننا كنا نطير على ارتفاع منخفض، أطلق علينا النار بعض الجنود المصريين فقابلناهم بالمثل حتى حطّت الطائرة على الطريق، وللحظة تساءلت ما عسى أن يحدث لنا، يالسخرية القدر القاسية: قبل أقل من ساعة كنت في أمان بين أفراد فرقتي، والآن أجدني وحيدًا متروكًا بين مئات المصريين المسلحين واليائسين".
وفي 10 يونيو 1967 م، تعترف جولدا مائير بقساوة الحرب فتقول: "كانت الحرب مرعبة، وقاسية، عادت معها الجنازات إلى جميع أنحاء إسرائيل، ومعظم الذين سقطوا من الشباب، كان أولادهم أو إخوانهم قد سقطوا قبلهم في حرب الاستقلال أو الحرب التى جُرفنا إليها، لن نعود إلى تلك الآلام وسنحافظ على مكتسباتنا، لن نستسلم للكلمات المنمَّقة التي تتردد دائمًا والقائلة، بأن الشعب الإسرائيلي شعب عجيب ورائع، وأنه يربح الحرب كل عشر سنوات، لقد ربحوا الحرب مرة ثانية .. هذا رائع. ولأنهم ربحوا فسيعودون إلى حدودهم مرة ثانية، سيعودون من حيث أتوا؛ كي يستطيع السوريون توجيه أسلحتهم عبر الجولان إلى المستوطنات، أو كي يستطيع الجيش الأردني احتلال القدس القديمة وقصف بيوتنا من هناك، أو كي يعود قطاع غزة منطلقًا للفدائيين، وتعود سيناء الأرض التي يهددنا منها الرئيس عبد الناصر".
ويقول موشي ديان عن أسباب الهزيمة في حرب 1967 م: "إن ضعف العرب يأتي نتيجة عوامل أعتقد أنها لن تتغير في وقت قريب، وهذه العوامل هي: المستوى المنخفض لتعليم جنودهم وقدراتهم التكنولوجية، والانقسامات السائدة في العالم العربي والتي لا تتحسن بين الوقت والآخر إلا سطحيًّا ولفترات قصيرة، أما شبابنا فعلى العكس من ذلك، فإن صفاتهم عالية سواء من الناحية الثقافية والتكنولوجية، أو فيما يتعلق بالمهارة والروح القتالية، وفضلاً عن ذلك فإن خطوطنا العسكرية قد أصبحت ملائمة لنا تمامًا، وقد أُعدت للدفاع والرقابة الإلكترونية".
وعقب انتهاء حرب 1967 م، ذكرت جولدا مائير تعليقها على الحرب قائلةً: "كثير من الناس لا يفهمون أننا حاربنا بنجاح تام، لا لأننا خُلقنا لنحارب ونقاتل، بل لأننا تأملنا من أعماق قلوبنا أن نربح الحرب لتكون آخر حرب نخوضها، ولنلقن جيراننا درسًا بعدم الانصياع لبقية الدول العربية، وبأن أولادنا وأهلنا وحياة جميع الناس كانت ثمينة، كما أن حياة أولادهم هي ثمينة أيضًا. وإذا كان انتصارنا على الجيوش العربية شاملاً، فإن جيراننا على الأقل يمكن أن يلغوا حروبهم المقدسة ضدنا؛ لأنهم لاحظوا أن السلام ضروري لهم، وفعلاً كنا مخطئين في ذلك، لكن فكرة الغلبة كانت صعبة الفهم بالنسبة لهم، فلم يدركوا معناها ولم يقتنعوا بأننا لن نختفي من على الخارطة".
وفي محاولة لإنكار الواقع، وافتعال الأمل يذكر بيجال آلون؛ أحد القادة الإسرائيليين حول حرب 1967 م فيقول: "كان المنطق يشير إلى أن نتيجة الحرب الأخيرة (حرب يونية 1967 م) يمكن أن تتيح ظروفًا مناسبة لتحقيق السلام كهدف ضروري وحيوي.. وعلى الرغم من أن الزعماء العرب - وفي مقدمتهم عبد الناصر - يرفضون انتهاج سياسة واقعية محبة للسلام، فإن تداعيات الحرب كان يمكن أن تؤدي إلى ما يسمى "بلحظة مواجهة الحقيقة". وهذا يؤدي بالتالي إلى دفع بعض القيادات والحكومات العربية للاعتراف بأن وجود إسرائيل في المنطقة هو حقيقة واقعة، وبأن دولة إسرائيل وجدت لتبقى؛ بحيث لا يمكن إزالتها بهذه البساطة، وأن مصير أية محاولة أخرى لإنهاء وجودها، لابد أن تصل إلى نفس النتيجة التي بلغتها في المحاولات السابقة".
وفي 29 أغسطس 1967 م، عقد مؤتمر القمة الرابع الخاص بجامعة الدولة العربية، في العاصمة السودانية الخرطوم على خلفية هزيمة العرب، وقد عرفت القمة باسم قمة اللاءات الثلاثة؛ حيث خرجت القمة بإصرار على التمسك بالثوابت من خلال لاءات ثلاثة: لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني قبل أن يعود الحق لأصحابه. وردًّا على هذه القمة علّقت جولدا مائير في محاولة منها لصياغة حالة من التعويض النفسى قائلةً: "لقد أحسست بالشفقة على العرب الذين أدركوا أنهم احُتقروا وذُلوا؛ لأنهم خسروا الحرب التي بدأوها بأنفسهم، لكن من جهة أخرى يجب ألا يظنوا أننا سنكافئهم لأنهم حاولوا رمينا في البحر. لقد أصابني اليأس الشديد، ولكن هناك ردًّا واحدًا ممكنًا: لن تنسحب إسرائيل من شبر واحد طالما أن العرب لا يريدون وضع حدٍّ للنزاع. لقد قررنا، رغم ما كلفنا ذلك، من مال وقوة، ورغم الضغوطات التي مُورست علينا، قررنا أن نتحمل ونقف بثبات على خطوط وقف إطلاق النار، منتظرين حتى يدرك العرب أن البديل الوحيد للحرب هو السلام فقط، وأن الطريق الوحيد للسلام هي المفاوضات".
وبعد مرور ستة أشهر على حرب 1967 م، اعترف موشى ديان أن هزيمة الجيش المصري ما هي إلا مجرد هزيمة استثنائية، وأن إسرائيل مازالت تتطلع إلى السلام فيقول: "كان نصف عام قد مر على حرب الأيام الستة، وكان يبدو واضحًا أن السلام ما يزال بعيدًا، فإن واشنطن كانت قد أبلغت عبد الناصر، أن إسرائيل مستعدة للانسحاب إلى حدود معترف بها دوليًّا، في نطاق اتفاقية سلام مع مصر وسوريا. لكن الرئيس المصري لم يتراجع عن معارضته العنيدة لوجود إسرائيل بالذات؛ فالاستنتاج الذى استخلصه من هزيمة بلاده عسكريًّا، كان وجوب إعادة بناء الجيش المصري، وتجنيد العالم العربي كله، في النضال ضد دولتنا".
اعترف موشي ديان أن إسرائيل دولة دموية واعتادت على خوض الحروب؛ من أجل تحقيق أهدافها، فيقول: "وخلال العشرين سنة منذ إنشاء دولة إسرائيل، لم تتوقف الحرب فترة: حرب الاستقلال - عمليات الرد - حملة سيناء - حوادث الحدود - حرب الأيام الستة - والآن الحملة ضد المخربين، حربًا بعد حرب، ومعركة بعد معركة، ولكننا كنا دائمًا قادرين على الصمود من أجل تحقيق أهدافنا، بفضل رجالنا".
وعندما علمت إسرائيل أن الرئيس جمال عبد الناصر لن يقبل بأية هدنة من أي نوع، بدأت إسرائيل بالعمل على التأثير النفسي على المصريين، من خلال إضعاف الروح المعنوية، فيقول موشي ديان في يوليو 1969م: "وقبيل إتمام خط بارليف، استأنف المصريون حرب الاستنزاف، فبينما كنا نواصل العمل ليلاً في بناء خط التحصينات، وازدادت المبادرات الحربية، ففي خلال الأشهر الأربعة التي انتهت في 13 يوليو 1969 م، خسرنا 29 قتيلاً، وحوالي 120 جريحًا... وبعد أربعة أيام قامت طائراتنا بقصف أهداف عسكرية بين القنطرة وبورسعيد، وقد دامت الغارة خمس ساعات، فأسقطنا خمس طائرات معادية، وخسرنا طائرتين".
ويستطرد موشي ديان حديثه قائلاً: "كنا جميعًا نقدر خطورة الوضع، فالمسألة ليست مسألة تحديد الطيار الأبرع، بل هي مسألة الاستمرار في السعي إلى تحقيق أهدافنا الأساسية، وفي الوقت نفسه تجنب الصدام مع السوفيت".
وفي محاولة لخداع الذات، وخداع الآخرين، يدعي أرئيل شارون أن السلام قد جاء نتيجة لحرب 1967م. وبالرغم من ذلك يواجه الجنود الإسرائيليون الموت فيقول:"لم تكن هذه الحرب المقنّعة تهدد وجود إسرائيل نفسه؛ لأنها تجري بعيدًا عن قلب البلاد الحيوي، الذي عرف لأول مرة حياة سوية، فالبلاجات وأرصفة المقاهي كانت تعج بالناس الذين تذوقوا أخيرًا هذا الترف النادر في إسرائيل "السلام"، ولكن على الجانب الآخر كان جنودنا على امتداد القناة يواجهون الموت باستمرار".
وفي احتفال جولدا مائير بالعام اليهودي الجديد في 18 سبتمبر 1971 م، قالت: "إن الحقيقة الأولى هي الأمن العسكري، والعالم كله يؤمن بذلك؛ لأن كل شيء ينهض دليلاً عليه، فمنذ عام 1967 م، وإسرائيل دولة منتصرة، مزودة بسلاح لا يقهر. وهذه القوة التي دُفع ثمنها غاليًا على الجبهة السياسية الدولية، ليس هناك أي شيء يمكن أن يعترض على حقيقتها حتى إذا كان اليسار الإسرائيلي يحذر - وبحق - من عواقبها الكثيرة، فإن إسرائيل لديها الجائزة الأولى في المدرعات، ولديها الجائزة الممتازة في إدارة المخابرات. حقًّا إن تلك الألبومات العسكرية التي تصور النصر، والتي طُبعت منذ عام 1967 م، والاستعراضات الحربية التي تُقام في القدس، والبطاقات البريدية التي تحمل صور موشي ديان؛ كل هذا بالتأكيد له واقع سيئ في نفوس شعب ظل أعوامًا طويلة ينظر في حذر إلى النزعة العسكرية. غير أن كل هذه الاشياء كان لها أساس تقوم عليه، فإسرائيل قوة كبرى، ولديها ذلك الشيء الذي له شهرة لا نهاية لها، والذي هو موضع فخرها.. وهو جيشها، ويقول الذين يشعرون بالمرارة، والصهاينة المثاليون، والعجائز الباقون من مواجهة المهاجرين الثانية عنه: (أنه الوحيد الباقي)".
وفي السادس من أكتوبر 1973 م، كانت المفاجأة الكبرى التي أذهلت العدو الإسرائيلي والعالم كله، واستعادت الأمة العربية هيبتها، وتم تصحيح الأوضاع. واستطاع الجيش المصري أن يوقظ إسرائيل من أحلامها، وأن يضع أمامها الحقيقة المفزعة التي غابت عن المجتمع الإسرائيلي طويلاً.
وتترف جولدا مائير فى مذكراتها حول حرب أكتوبر قائلةً: "من بين جميع الأحداث التي عالجتها في كتابى هذا، لم أجد صعوبة في الكتابة كصعوبة الكتابة عن حرب (أكتوبر) 1973 م - أي حرب يوم كيبور، ولكنها حدثت، وهي لا تعنيني هنا كموقعة عسكرية؛ لأني أترك ذلك للمختصين، لكنها تشكل مصيبة كبرى أو هاجسًا كنت قد عشته وسيبقى دائمًا في فكري".
وباعتراف موشي ديان بالهزيمة أمام الجيش المصري وأمام العالم؛ تحطمت أسطورة "جيش إسرائيل الذي لا يقهر". واعترف ديان بهول المفاجأة التي أفقدتهم صوابهم وأوقعتهم في حرج لم يألفوه، وبالفعل شعرت إسرائيل بحجمها الحقيقي وسط المنطقة العربية، وبزيف الدعاية الضخمة التي سخرتها لتهويل المكاسب في حرب 1967م.