بالصور.. مشاهد ووثائق من حياة "مصطفى أمين" في كتاب خاص عن سيرته الذاتية
عند الحديث عن الصحافة المصرية ونشأتها الأولى وأربابها القدماء يتبادر الى الذهن اسم "مصطفى أمين" مؤسس دار أخبار اليوم المصرية ، والذي تحفل حياته بكثير من الأحداث والمواقف التي شكلت في مجملها تاريخا يرصد أحوال الصحافة المصرية وعلاقتها بالبيت والجامعة والشارع والسلطة منذ أول مجلة أنشأها وعمره 8 سنوات وحتى وفاته.
الصحفي "أحمد عطية صلاح" حاول في الكتاب الذي بين أيدينا والذي عنونه باسم الكاتب الراحل "مصطفى أمين" ، أن يرصد جانبا من سيرته مستعينا في ذلك بنجلته "صفية أمين " التي أمدته بصور ووثائق خاصة عن مصطفى أمين وبعضا من مقالاته المنشورة والتي لازالت متواترة بين أيدي وأقلام صحفيي اليوم كنموذج للكتابة الصحفية وتأريخا لعصر من أهم عصور الكتابة والإبداع.
المؤلف تناول في أسلوب روائي مبسط سيرة "مصطفى أمين" منذ النشأة حين كان مولعا بالصحافة هو وشقيقه "علي أمين" فقدما معاً مجلة "الحقوق" في سن الثماني سنوات، والتي اختصت بنشر أخبار البيت ، ثم بعد ذلك مجلة "التلميذ" عام 1928 والتي تم اغلاقها بسبب مهاجمتها للحكومة وقتئذ ، ثم مجلة "الأقلام" والتي أغلقت لنفس السبب.
ولم تكن السياسة في حياة "مصطفى أمين" مكتسبة من خلال مواقف عرضت له بل كانت موروثا جينيا بحكم قرابته للزعيم سعد زغلول فقد كان أبوه أمين أبو يوسف محاميا كبيرا، أما والدتهما فهي ابنة أخت الزعيم سعد زغلول، ومن هنا انعكست الحياة السياسة بشكل كبير على حياة الطفلين حيث نشئا وترعرعا في بيت زعيم الأمة.
سافر مصطفى أمين إلى أمريكا لإكمال دراسته فالتحق بجامعة جورج تاون، ودرس العلوم السياسية، وحصل على درجة الماجيستير في العلوم السياسية مع مرتبة الشرف الأولى عام 1938، ثم عاد إلى مصر وعمل كمدرس لمادة الصحافة بالجامعة الأمريكية لمدة أربع سنوات.
ومما اورد المؤلف في كتابه مقالا بقلم مصطفي أمين بعنوان "عمري قصة حب" يحاول فيه جاهدا أن يصل للآلية التي يحسب فيه عمره بعد انتصارات حققها وهزائم مني بها وأحداث أسعدته تارة وأحزنته أخرى ، وصداقات عدة وتلاميذ كُثر ، حتى خلص الى أن العمر لو كان كل هذا فلابد أنه عاش آلاف السنين.
واستطرد الكاتب الراحل في مقاله قائلا" قديما قالوا إن عمر الإنسان يحسب بالأيام السعيدة التى عاشها وبهذا أكون قد عشت كل يوم من أيام حياتى الصحفية التى بدأتها فى طفولتى فإن كل كلمة كتبتها أسعدتنى حتى لو كلفتنى حريتى وحياتى بعد ذلك فأنا أشعر وأنا أمسك قلمى أننى أعانق أجمل امرأة فى العالم ولهذا عشت قصة حب طويلة، ولا أتصور أننى أعيش يوما فى حياتى بغير قلم، فلقد كان هذا القلم دائما صديقى وحبيبى، اعطيته وأعطانى وعشقته وأخلص لى، وعندما أموت أرجو أن يضعوه بجوارى فى قبرى، فقد احتاج إليه إذا كتبت تحقيقا صحفيا عن يوم القيامة.
لقد سألت نفسى اليوم لو كنت أختار لنفسى فترة عمرى فى التاريخ، فأى فترة اختارها؟ ووجدتنى أختار نفس الفترة التى عشت فيها، فلقد عشت ثورتين كبيرتين، ثورة 1919 وثورة 1952 وكان من حسن حظى أنى كنت قريبا من قائد الثورة الأولى سعد زغلول بحكم مولدى، ومن قائد الثورة الثانية جمال عبد الناصر بحكم عملى، وشهدت حربين عالميتين، ورأيت نتائج الحرب العالمية الأولى ونتائج الحرب العالمية الثانية، التى غيرت حياة البشر وتفكيرهم.
عاصرت وصادقت وحاربت رجالا كبارا أمثال الملك عبد العزيز بن سعود وغاندى وشكرى القوتلى ورياض الصلح والدكتور أحمد ماهر والنقراشى وإسماعيل صدقى ومحمد محمود وعلى ماهر وأحمد حسنين وطلعت حرب والعقاد وطه حسين وعباقرة الشرق وساسته وكتابه ونجومه.
عشت صراع الشعوب المستبعدة، وهى تحطم قيودها وتكسر أغلالها وتنقض على مستبعديها، ورأيت بلدى يتحول عدة مرات من مستعمرة إلى دولة مستقلة، الشعب فيها أصبح صاحب الجلالة وصاحب السمو وصاحب السعادة، ورأيت فلاحا مصريا فى مقعد رياسة الجمهورية وعاملا مصريا يصبح وزيرا وامرأة مصرية تجلس فى كرسى الوزارة، وراقبت إعلام الدول الكبرى وهى تنزل من ساريات كل الدول العربية وترتفع بدلا منها إعلام معلنة أن الشعب العربى خرج من القفص الذى سجنه الاستعمار فيه.
سمعت أم كلثوم وهى تغنى ورأيت نجيب الريحانى وهو يمثل وجلست مع محمد عبد الوهاب وهو يلحن وحضر أمير الشعراء أحمد شوقى وهو ينظم شعره الخالد، واجتمعت بعدد من عبقريات العالم الكبرى مثل نهرو وتشرشل وفرانكلين روزفلت واينشتين وشارلى شابلن وشاركت فى صنع صحافة عظيمة فى بلادى واليوم أحاول أن اكتب السنوات العشر الأولى من حياتى.. إنها ليست قصتى إنها قصة مصر التى عشتها!".
وتعرض المؤلف لحقبة هامة في حياة "مصطفى أمين" تتعلق بقرار تأميم الصحافة في عهد عبد الناصر والتي أشيع وقتها أن "أخبار اليوم" هي التي كانت مقصودة بالتأميم.
وأورد الكتاب على لسان "أمين" أن التأميم لم يكن مفاجأة له لأنه عرف أن الفكرة كانت تراود عبد الناصر منذ عام 1953 ، وقال له " انتظر وبدلا من تأميم أخبار اليوم وهي دوران سأجعلها 11 دورا".
ومما اورده الكتاب أيضا بالاضافة الى مقالاته التاريخية وثائق خاصة من حياته أبرزها مستخرج رسمي لشهادة ميلاده وهو وشقيقه "علي" ، وكذلك اخطارا مقدما منه للجهات الإدارية لإصدار صحيفة "أخبار اليوم".
كما أورد صورا نادرة لـ"ماكيت أخبار اليوم" الحلم الذي أصبح حقيقة ، وصورا توضح كيف بدأت بسيطة ثم عملاقة ليتخرج منها مئات الصحفيين في مصر والعالم العربي ، وكذلك صورا للمبنى منذ أن كان من طابقين قبل أن يكتمل بناؤه لعشرة طوابق.
وانتهى الكتاب بخبر تصدر صحف القاهرة صباح يوم 14 ابريل عام 1997 فحواه " فقدت أخبار اليوم والصحافة المصرية والعربية الكاتب الكبير "مصطفى أمين" مؤسسها ورائد الصحافة الحديثة في مصر والشرق الأوسط بعد صراع مع المرض استمر أكثر من شهرين عن عمر يناهز 83 عاما.