الحاج محمد هتلر
الانبهار بنموذج داعش ليس منتشراً فقط فى أوساط الحركة الاسلامية بتنوعاتها ، انما أيضاً فى أوساط تجمعات جماهيرية وناس عاديين ، ودارت بينى وبين بعض الناس من العامة ممن ليس لهم أية انتماءات تنظيمية أحاديث وحوارات ، فوجدتهم يتحدثون عن داعش وزعيمها بشئ من التقدير والتوقير والمهابة وليس فقط من باب ابداء التعاطف.
هذا بالفعل أمر عجيب وهو ما جعلنى أفكر فى هذه الظاهرة وخلفياتها ودوافعها ، فما الذى يجعل أناساً عاديين ليست لهم تصورات فكرية قاصرة وغير مكتملة ومتوازنة عن قضايا الخلافة والجهاد ونظام الحكم فى الاسلام وعلاقته بالتطور الدستورى العصرى .. يبدون هذه المشاعر وهذا التقدير لتنظيم تكفيرى شمولى متوحش مسئ للاسلام والشريعة كداعش ؟
الأمر هنا فى حالة الناس العادية بعيداً عن الأطر الأيديولوجية والتنظيمية والفكرية ، متعلق فى الأساس بطبيعة المرحلة التاريخية وصراعاتها الضخمة ، وبالظروف والملابسات السياسية وحالة الفراغ الثقافى والاعلامى فى حالة غيبة مصادر الاحياء وايقاظ الوعى الجدى والحقيقى ، وبحالة الخوف العام والدعايات والدعايات المضادة والثارات والثارات المضادة .
ففى مثل هذه الحالة الأحادية الانفصامية التى يسعى فيها البعض لاحداث النكاية بالدولة المصرية وهزيمتها بأى أسلوب وبأى شكل وبأى ثمن ولا يمتلك المقدرة ولا الأساليب ولا الامكانيات ولا المواهب الكافية للقيام بهذه الدور بعد الفشل فى الاندماج فى المشهد السياسى واحراز مكاسب سياسية واثبات الذات فى واقع منفتح ومتنوع وتعددى ، فهم يلجأون الى عملية خداع مغرضة من شأنها تصوير الشيطان على أنه ملاك وديع ، وتقديم النموذج الفكرى والتنظيمى الأسوأ فى العالم بأنه هو طوق النجاة ومبعوث العناية الالهية لانقاذ الأمة الاسلامية من الاستعلاء والاستكبار الأمريكى الغربى من جهة ، وانقاذ المصريين والاسلاميين مما يسمونه ويطلقون عليه " الاحتلال العسكرى لمصر " ويقصدون بالطبع أن داعش والبغدادى أنهم هم الأمل وطوق النجاة لانقاذ مصر من نظام الحكم الحالى .
ذكرتنى هذه الخدعة الخبيثة التى وقع فى شركها عدد غير قليل من شعبنا الطيب بما حدث فى مرحلة الحرب العالمية الثانية ؛ فمن أجل الخصومة والانتقام من الانجليز والفرنسيين صور البعض النازية وهتلر بأنهم مبعوثى العناية الالهية وبأن هتلر سيف سل من الله للانتقام من المستعمرين والغزاة ، وتم خداع الناس وصدقوا بالفعل أن هتلر هو الحل وأن النازية هى الملاذ للخلاص من الاستعمار ، كما يتم خداع الناس اليوم بأن داعش هى الحل وأن البغدادى هو البديل والمنقذ .
ووصلت درجة الانبهار الى أن بعض العوام كانوا يطلقون على هتلر اسم " الحاج محمد هتلر " ، وراجت فى مصر وايران حكايات عن أن موسيلينى كان مصرياً فى الأصل ويدعى " موسى النيلى " وأن الاسم الأصلى لهتلر هو " حيدر " ، وزعم البعض أنه مسلم يكتم اسلامه لحين القضاء على اليهود والانجليز والروس.
فى مثل هذه الحالات من الفوضى والسيولة الفكرية والثقافية والاعلامية ، يحتاج الناس الى صوت العقل ولمن يبصرهم بالحقائق ويشرح لهم الخلفيات ويؤصل القضايا ويعرض الأمور بعقلانية وموضوعية واتزان.
ولذلك لم نكن نطرح الأسماء هكذا خبط عشواء عندما طرحنا اسم العبقرى الكبير أستاذنا عباس العقاد كتراث ينبغى على الجميع الحفاظ عليه وتدريسه ونشره ، فى مقابل أسماء أخرى تذهب بطرحها الانفصالى الى أكثر الخيارات تكفيراً وشمولية وتصويرها بأنها المخرج الوحيد للأمة ولا سبيل الا بالتحالف معها والاستنجاد بها ، ولذلك كان العقاد رحمه الله من القلائل الذين وقفوا ضد النازية فى كتابه " هتلر فى الميزان ".
وفى محاضراته التى نقلتها الاذاعة المصرية .. يقول وهو يحذر الناس والنخب من هذا الانفعال والحماس المتهور غير المدروس بالنموذج النازى : " أما الجانب الذى ينظر فيه النازيون الى المسلمين فهم خادعون فيه لا محالة وأخدع ما يكونون حين يظهرون الاشفاق على المسلمين من الظلم والسيطرة الأجنبية ؛ لأن النازيين يحرمون الشعب الألمانى من الحرية السياسية ، فكيف يسمحون بها للمسلمين الساميين ، ولأن النازيين يستكثرون على أقطار أوربا التى يحكمونها أن تكون لها صناعات كبرى وثروات مستقلة فاذا حكموا الشرق فكيف يبذلون ما يضنون به على القارة الأوربية ؟ ولا نستبعد على النازيين ان كتب لهم النصر أن يصالحوا اليهود على الخروج من ألمانيا لاحتلال فلسطين وما جاورها ، وليس هذا بأعجب من مصالحتهم الشيوعيين بعد أن وسموهم بأنهم حثالة المجرمين ، ولا بأعجب من مشاركتهم اليابان فى بناء النظام العالمى الجديد بعد أن قال فيهم الزعيم النازى انهم عالة على الحضارتين الأوربية والأمريكية ".
الفكرة واحدة تقريباً ؛ وكما لا يمكن الخلاص من شرور المستعمرين بنموذج النازية الشمولى ، كذلك لا يمكن الاعتماد على نموذج داعش التكفيرى الشمولى للخروج من أزمة التيارات الاسلامية مع دولها ، أو لخداع الجماهير بعض الوقت بنموذج جديد لل " الحاج محمد هتلر ".