ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

شادى مؤنس.. تجربة يصاحبها النضوج

 د/ هبة الخياط

د/ هبة الخياط

الأربعاء 06/فبراير/2019 - 06:00 م
منذ ما يقرب من عشرة أعوام أو يزيد قليلا، يرى المتابع أن المناخ الفنى أصبح يعانى من الانقسام والتنافر بشكل بدا ظاهرا على السطح، بعد أن كان يأتينا علي استحياء .

فمن تأثر بتجمعات المثقفين اليساريين منذ زمن الشيخ إمام ونجم ولامس فنهم أفكاره وهواه، تمادى فى ذلك اللون الفنى لأنه توافق مع تمرده وفكره المعترض دائما، وعندما نستمع لأغنياته فإننا نشحن بالطاقه السلبية ونقبل بفكرة إلقاء الاتهامات واللوم والمسئولية علي كل ما هو خارجنا وهذا بالتأكيد يتوافق مع شريحة من المستمعين والجمهور الذى يميل دائما لعدم محاسبة نفسه، فالرؤية السلبية أسهل من العمل الجاد، ومظهر وملبس المثقف المتمرد وهو يتنقل ما بين الأماكن التى يستمعون فيها لهذا اللون من الفن وكل من حوله تتملكهم نفس الحالة ، يعطيه خصوصية تجعله علي ثقة بصحة أفكاره، ولكن لأن الموسيقي و الآلات المستخدمة والإيقاعات و التناول الفنى وحتي تناول اللغة لا يشبه ثقافتنا كثيرا فإنهم و كالعادة متقوقعون خلف جدرانهم يغنون لأنفسهم وشريحة الجمهور التى تشبههم وفقط، إلا من بعض البرامج التى تحاول إظهارهم.

وأما علي الجانب الآخر والنقيض تجد أشياء يقال عليها أغنيات غاية فى التدنى والانحطاط الفنى، تطاردك فى وسائل المواصلات وبعض المقاهى ومحطات الإذاعة مدفوعة الأجر وبعض الأفراح .

اللون الأول هو نوع من فن المونولوج له وقته القصير المصاحب لتواجد من يسمعونه، واللون الثانى ليس له وصف فنى أصلا وهو مثل فقاعات الهواء تراها وتأخذ عينيك ولكن تتلاشي بسرعة الريح.

ولأننا مصر فدائما يأتينا وللحفاظ علي هويتنا ومن بعد السنين العجاف، الفرج والخير، فدائما يا مصر تضيق إلي أن تستحكم حلقاتها ثم تفرج.

فبعد الحرب العالمية الأولى ومرحلة الكساد الاقتصادى العالمى ظهرت أسوأ موجة غناء هابط فى مصر إلي أن جاء عظماء التلحين والغناء ( عبدالوهاب والسنباطى وأم كلثوم ...) ورجحت كفة الفن علي اللا فن، ومع موجة الانفتاح فى السبعينات وظهور طبقات أغنياء لا يفقهون شيئا غير لغة المال ظهرت موجة اخري من الهبوط حاولت تعصف بما قبلها ولكم قاومها ظهور ( عبد الرحيم منصور وعلى الحجار ومحمد منير ورياض الهمشرى وبهاء الدين محمد وأحمد منيب وجمال بخيت و...).

ونحن نتابع الآن الحركة الفنية نري ظهور بعض من الفنانين الذين يقدمون فنا ليحافظوا به علي تاريخ الفن وليس لأهداف شهرة أو لتعبئة الجمهور فى اتجاه بعينه، ومن ضمن تلك المتابعات تجد مدرسة الغناء (علي الحجار) يأخذ علي عاتقه تقديم امتدادات شبابية فنية صادقة تعرف معني الفن ولا تعترف بمواءمات أخري إلي جانبه، تحترم الذوق والجمهور المصرى، قدم فى إحدي حفلاته للجمهور الملحن الشاب شادى مؤنس، وعندما استمعت لبعض ألحانه وجدته نموذجا لهذا الفنان الذى أبحث عنه هو صاحب لحن علي الحجار الجديد (قبل ما تواعد) لحن علي إيقاع ( التانجو) اللاتينى لكنه بصياغة فنية معبرة عن معني كل كلمة فيه، ثم استمعت للحنه (فتحت باب الهوى طرف الهوى عينى) لحن شعبى فلاحى مصرى بشدة (طقطوقه) فنية مبهجة وجميلة، لكن المفاجأة عندما تستمع لإعادته تلحين أغنية أحمد فؤاد نجم (كلمتين يا مصر) يأخذك لمنطقه شديدة البعد عن اللحن القديم وفى مساحة تأملية رحبة واسعة، حيث بناء اللحن علي إيقاع الفالس الراقص الرومانسى، فتشعر أنه مصرى الهوى معجون بحب التراب يعتب عتاب المحب وليس اعتراض المتمرد والفجوة شديدة الاتساع بين الحالتين، وكان ذلك انطباعى عن الأغنية .

عرفت بعد ذلك أنه نفسه المهندس شادى الذى مكث بالعريش فى 2011 ليصلح خط الغاز الذى كان يتم تفجيره كل فتره، وأنه كان من مؤسسى إحدي فرق الغناء التى تقدم أغنيات فى ظاهرها سياسية ولكنها تصدر الإحباط واليأس من كل شيء وهى حالة ليست فنيه علي أية حال، ثم تركها وأسس فرقته ( حكايات) لأنه يعنيه تقديم ألوان فنية تشبه الذوق و المجتمع المصرى - وفى ذلك تقرأ ذكاء فنى – فهو بالتأكيد شخص تجربته العملية واختلاطه بالحياة جعله يدرك الفرق بين أن تقدم فن، أو تقدم وجهة نظرك الشخصية السياسية وليست الوطنيه –وهناك فرق- فى شكل فن .

شيء جميل أن تكون التجربة مقترنة بخبرة النضوج، وأتمني أن تكون تلك إرهاصات وبدايات مرحلة جديدة ترجح فيها موازين الفن على اللا فن .