ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
ads
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
مدير التحرير
صفاء نوار

أوتوبيس الإنقاذ

شريف سمير

شريف سمير

السبت 09/فبراير/2019 - 10:45 ص
شاب أسمر ذو ملامح أصيلة ووجه يملؤه الحماس والعطاء.. يقف فى الطريق محدقا فى الزوايا والأرصفة، لعل عيناه تلتقط مسكينا أو شاردا أو ضائعا، فيسارع بإغاثته وينقله إلي أوتوبيس الإنقاذ ليوفر له وجبة ساخنة تدفئ بطنه، وشربة ماء تروى ظمأه، وفراشا مؤقتا يحتضن جسده المُنهَك من البرد القارص.. ثم تسير به العربة إلى دار للرعاية لاستكمال رحلة العلاج والشفاء النهائى من "فيروس" الإهمال والتهميش!.

هذه هى بداية القصة مع "مصريين بلا مأوى"، وأراه العنوان الأمثل لمبادرة وزارة التضامن الاجتماعى النبيلة التى اتخذت شعار "أطفال بلا مأوى"، لانتشال الأبرياء من الشوارع وسرعة نزع فتيل هذه القنبلة القابلة للانفجار بمجرد وقوع هؤلاء الضحايا فريسة لعصابات الإجرام وخلايا الإرهاب وغسل عقولهم تمهيدا لاستغلالهم فى ضرب أوطانهم وتسليمهم لقمة سائغة للموت.. وإذا كان الصغار يفترشون الأسفلت ويحصلون على طعامهم اليومى من صناديق القمامة وفضلات الغير، فهو حال أيضا الكبار والمسنين الذين افتقدوا الحياة العائلية وتاه عنهم الأهل والأصحاب إما سهوا أو عمدا، ولاتقل حاجتهم إلى الرعاية والحماية عن أطفالنا البؤساء، وهو ما لمسته من استجابة "أوتوبيس الإنقاذ" لحالات إنسانية تعيش المتبقى من عمرها ضالة هائمة على وجهها دون عائل أو رحيم!.

ويظل الأوتوبيس فى محطاته الأولى.. بينما المحطة المحورية التى منها يتغير المسار وتتحول حياة "الضائعين" ١٨٠ درجة ليبدأوا مرحلة جديدة ويودعوا فصل الشقاء والألم تبدأ من لحظة التحاقهم بدور الرعاية والإصلاح، وتمثل هذه النقطة أكبر اختبار لمبادرة الحكومة وقدرتها على ترجمة الفكرة إلى أفعال وواقع، حيث إن نجاح التجربة يتوقف على حسن متابعة "خط سير" المبادرة وضمان تحصين هذه الكيانات ضد الفساد وفئة المنتفعين من استخدام "ضحايا الطريق" كمواد خام لأي انتهاكات محتملة .. ولايقتصر دور الوزارة أو المسئولين عن المبادرة على توصيل "الراكب" إلي المؤسسة المكلفة باستقباله، بل قمة الالتزام تجاهه تتجلى فى المراقبة الدائمة واليقظة لأسلوب الرعاية وإعادة التأهيل وتفوق المؤسسة فى تجديد علاقته بذاته وبمجتمعه ليعود عضوا نافعا ومفيدا فى الحياة .. ويالها من مهمة صعبة المراس، ويتطلب "طوق النجاة" هذا تضافر جهود الجميع من مسئولين وسياسيين وخبراء علم النفس والاجتماع وأساتذة متخصصين فى علوم التربية والتعليم فضلا عن "عيون" وسائل الإعلام و"منابر" الخطاب الدينى والثقافى.

ولامجال للافتخار بالملايين التى تم إنفاقها على المبادرة وتوفير الملاجئ الملائمة للمحرومين إذا لم تكن تلك "الملاذات الآمنة" مُسلَّحة بذوى الضمائر الحية والأيادى البيضاء عند تعاملهم مع الصغار والكبار وامتصاص مشاعرهم الملوثة بالحقد والإذلال، ثم توجيه طاقاتهم بما يساعد على بناء الشخصية السوية واستعادة توازنها وكرامتها، فتخرج إلى العالم بعد العلاج وفترة النقاهة وتفتح الحكومة أبواب العمل و"الرزق الحلال" أمام "المواطنين الجدد".. وعندئذ يصل "أوتوبيس الإنقاذ" إلى محطته الأخيرة بعد أن اتبع الطريق السليم وتحدى سائقه الشريف العقبات والمطبات.. ولنربح دائما أعظم "أوتوبيس".. وأعظم سائق!.
ads