قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

من قِربة لحمار وعربة.. كيف روى السقا عطش المصريين خلال الزمن | نوستالجيا

0|سلمى عبد الناصر

يحمل قربة ماء على ظهره حتى انحنى من الثقل عليه، النيل بالنسبة له قوت رزقه ورأس ماله التي يكسب منها لقمة العيش، يبدأ يومه صباحا من النيل، ليجوب الشوارع والطرقات بعد ذلك، ليأتي إليه زبائنه دون تحمل مشقة البحث عنهم، هيئته تدلك عليه فلا داعي للبحث عنه، فالجميع سيرغب في شراء بضاعته، التي كان في بعض الأحيان يوزعها بالمجان.



وفي شوارع مصر قديما، عرف المصريون "السقا" واعتبروه واحدا منهم، الأمين الذي يروي عطشهم ويخفف عنهم في حر الصيف، لا يحتاجون للجوء إلى قهوة أو منزل لشرب الماء، فبالتأكيد سيصادفونه أثناء مرورهم في الشارع، ظهرت مهنة السقا في مصر مع العصر العباسي حينما كان يتولى نقل مياه الشرب من النيل إلى السبيل والمساجد والمنازل، فيقوم بحمل الماء البارد ويتجول به فى الشوارع ليشرب الناس،حيث لا قوارير أو مبردات مياه في الشارع.لم يكن اختيار السقا عشوائيا، فحمل رخصة عمل تتضمن اسمه وجنسيته وسنة وشهادة طبية، لضمان سلامة الناس، بجانب عمل الكشف الصحي عليه والتوقيع الطبي ومدى لياقته في هذه المهن، حمل السقا القربة فوق ظهره لوضع الماء بها وكانت تصنع من جلد الماعز المشدود ويتم وضع مادة الشبة لتنقية المياه من رواسب طمي النيل والشوائب وهي مفروضة فرض العين على كل سقا لنقل الماء نظيفا الى كل بيت.
وكان هناك اختبار يلزم للمتقدم للعمل في مهنة السقا اجتيازه، لكي يلتحق بطائفة السقايين، وهو أن المتقدم لابد أن يحمل قربة وكيسًا مليئًا بالرمل يزن حوالي 67 رطلًا لمدة ثلاثة أيام وثلاثة ليالي، دون أن يسمح له بالاتكاء أو الجلوس أو النوم، وتمركز السقايين بالقاهرة القديمة، في حي باب البحر، بجانب باب زويلة، للتواجد بالقرب من مصادر المياه والمتمثلة في نهر النيل.
لم يقتصر دور السقائين على حمل المياه وتوصيلها للمنازل، بل لعبوا دورًا كبيرًا في إخماد الحرائق، فكانت تؤخذ عليهم التعهدات باستعدادهم للحضور كلما دعت الحاجة إليهم ليلًا أو نهارًا، فكانوا يهرعون إلى إخماد نيران الحرائق، فإذا شب حريق في مكان ما، أسرعوا بقربهم وبراميلهم، وأعانهم في ذلك كل من كان عنده وعاء.

ومع مرور سنوات، استعان السقايين بالبهائم لحمل الماء والتجول به، بدلا من حمله على ظهورهم، فأصبح السقا يتجول في الشارع بحماره الذي أتاح له حمل كمية أكبر من الماء، وبعد ذلك أدخل عليها العربات الخشبية، التي سهلت المهمة أكثر على السقايين، وتبدلت القربة ببراميل المياه المعدنية .

ومع تعود الأهالي على السقا في منطقتهم، اعتبروه الحكيم بينهم، فأصبح بمثابة مصلح اجتماعي بينهم، يروون إليه مشاكلهم لحلها ويسعدونه بنكاتهم ويحزنون معه بمشاكله، كما كان السقا يقوم بعملية رش الأسواق والأزقة الترابية، لتبريدها في فصل الصيف، ويعمل على توزيع الماء للعطشى من المارة مجانًا،و اختلف ثمن المياه تبعًا لوفرتها أو قلتها فكان السقا سنة 1830 يتقاضى ثمن قربة المياه التي يحملها مسافة ثلاثة كيلومترات من 10 إلى 30 فضة .

ومع مرور السنوات، وإنشاء شركة المياه، بدأت مهنة السقا في الاندثار مطلع القرن الـ19، مع بدء إنشاء آلات الضخ والأنابيب التي توزع المياه داخل مدينة القاهرة، ولكن حتى اليوم ظل موجودا في بعض القرى والنجوع التي لم يصل إليها الماء، ولكن بشكل اخر، عن طريق عربة مياه تمر على المنازل لملء القوارير أو بيعها لهم مقابل مبلغ معين من المال.