أشجار شاهقة الارتفاع تزين جانبية حتى أصبحت كالبوابات تستقبل الزائرين المتألقين، شارع تمنى الكثيرون دخوله إلا أنهم حرموا منه، فاكتفوا بالمرور بجواره وسماع قصصه وحكاياته، واليوم يمرون به خنقا وغيظا من تاريخ الشارع الذي حرم على عامة الشعب دخوله وسمي باسم سيدة حيرت الكثيرين حول هذا شارع، عائشة التيمورية.
انغلق الشارع على قاطنيه، وانحسر دخوله على الأمراء والمقربين من العائلات الملكية، الشارع يحتضن قصورا ملكية، جمعت بداخلها عائلات وأسر ارستقراطية، بدأ بممر صغير تظلله الأشجار الكثيفة بين قصور أمراء أسرة محمد علي، وأولها القصر العالي الذي بناه إبراهيم باشا بن محمد علي، وكان يمتد من نهر النيل إلى شارع قصر العيني.

عائشة التيمورية، التي ينسب إليها الشارع المرموق، هي أحد أشهر الأدباء في مصر، ولدت عام 1840، ونشأت من عائلة ارستقراطية كبيرة، فوالدها هو إسماعيل باشا تيمور رئيس عام الديوان في عهد الخديوي إسماعيل، ترعرت في أجواء من الأدب والشعر فأحبته ونمى بداخلها شغف التعرف أكثر على عذوبة تلك الكلمات.
اتجهت الفتاة من صغرها إلى الأدب، إلا أن والدتها لم تستحسن الوضع فأصرت على تعليمها التطريز، واتجاه الفتيات في ذلك الوقت التي كانت تبتعد تماما عن التعليم والأدب، إلا أنها لم تسر كما أرادت والدتها فاتبعت شغفها.
لاحظ والدها شغفها، فعمل على تنميته، وأتى لها بأستاذين في البيت لتعليمها، واحد لتحفيظها القرآن وفنون الخط العربي، وآخر لتعليمها النحو والصرف واللغة الفارسية، فانشغلت عائشة على عكس بنات جيلها بكنوز مكتبة والدها، وانفردت بالبحث عن شيء آخر غير الثرثرة والنميمة حتى امتلكت العربية والتركية والفارسية وشجعها أبوها على مواصلة الشعر وامتلاك الوزن والقافية فكتبت الشعر بالعربية والتركية والفارسية ومن أبرز أعمالها ديوان "حلية الطراز".
أصدرت عائشة ديوان باللغة العربية باسم "حلية الطراز" وآخر بالفارسية طبع بمصر بالأستانة وإيران، ولديها رسالة في الأدب بعنوان "نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال" طبعت بمصر وتونس، كما قامت بتأليف رواية بعنوان "اللقا بعد الشتات" وتركت رواية أخرى غير مكتملة بخط يدها، وأثرت الحياة الأدبية بأعمالها فنشرت في جريدة الآداب والمؤيد عددا من المقالات عارضت فيها آراء قاسم أمين ودعوته إلى السفور، ومن آثارها الأدبية الأخرى "مرآة التأمل في الأمور"، وكتاب يضم مجموعة من القصص باسم "نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال".
أثرت عائلة تيمور الحياة الأدبية في مصر فاستحقت أن يؤول إليها اسم الشارع، بعدما عرف في البداية باسم "الوالدة باشا" أم الخديوى إسماعيل وزوجة إبراهيم باشا، لكن لم يعمر اسمها طويلًا في المنطقة فقد أطيح به من القصر والشارع، فعندما توفى الخديوى إسماعيل عام 1895 بالأستانة، ونقل جثمانه إلى القاهرة، كشفت وصيته أنه باع القصر العالي الذي كانت تسكنه والدته لزوجاته الثلاث، وكان هذا سببًا لخلاف كبير بين ورثته، فذهب الشارع بعدها لاسم عائشة التيمورية.