ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

الشيزوفرنيا العربية بين إسرائيل وتركيا

محسن عوض الله

محسن عوض الله

الثلاثاء 03/ديسمبر/2019 - 12:19 م
قرابة سبعة عقود مرت على قيام دولة الكيان الصهيوني كورم سرطاني مزمن فى قلب الشرق الأوسط والمنطقة العربية، عقود انتقلت فيها إسرائيل من مرحلة العدو التاريخي والغاصب المحتل إلى مرحلة الدولة الصديقة بل والحليفة لدى كثير من الأنظمة العربية.

هذا التحول الذى رافق وجهة النظر العربية الرسمية تجاه إسرائيل لم يمنع الشعوب من النظر للكيان الصهيوني كدولة احتلال مارقة، لا مجال للتعاون معها، أوالتقارب مع شعبها.

هذه النظرة التى أزعم أنها تمثل قطاعا كبيرا من الشعوب العربية والمسلمة تجاه العصابات الصهيونية بفلسطين ربما مرجعها تلك السياسات الاستيطانية التى اتبعها الكيان الصهيوني منذ غرسه فى قلب المنطقة كورم خبيث ظل يتمدد ويتمدد حتى اقتطع أجزاءً كبيرة من الدول العربية.

مارست إسرائيل كدولة مارقة كل جرائم الحرب التى يمكن تخيلها بحق الشعوب العربية والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، فمجازرها بحق الأسرى المصريين فى حرب 67 مازالت عالقة بالأذهان، وممارساتها اليومية تجاه الفلسطينين سواء تهويد الأرض، أو تهجير الشعب، أو عمليات قصف تستهدف المنازل والمدارس بشكل شبه يومي إلى آخر ذلك من انتهاكات تتداولها وسائل الإعلام العالمية بشكل يومي.

العداء الشعبي العربي للحركة الصهيونية أو الممارسات الإسرائيلية لا علاقة له بالدين اليهودي، فالمسلمون يؤمنون بموسي عليه السلام ويقدرونه ربما أكثر من بعض اليهود، ولكن الأمر يتعلق بممارسات سياسية وإجراءات استيطانية، فإسرائيل دخلت أرضا ليست أرضها، وأقامت بها مستعمراتها، وشردت شعبها، حرقت الزيتون وسرقت الأرض وهتكت العرض، ذبحت الشيخ وقتلت الطفل، ورملت العروس وثكلت الأم.

هذه الممارسات الإسرائيلية جعلت من الكيان الصهيوني فى محل سخط الشعوب العربية، وموضع كراهيتها رغم كل المحاولات الرسمية من حكومات الدول العربية لإقناع الشعوب بتغيير الوضع وانتهاء الحرب ووجود عملية سلام وتعاون إقتصادي وسياسي بين دول المنطقة وتل أبيب.

السؤال الآن: هل إسرائيل وحدها هى من تحتل دولة عربية وتمارس فيها سياساتها الاستيطانية؟ هل تقتصر الممارسات القمعية وعمليات القتل والتهجير والحرق تجاه شعوب الدول العربية والمسلمين على إسرائيل فقط؟!

الإجابة للأسف لا، فهناك دول أخرى تنتهج نفس سياسة إسرائيل تجاه العرب والمسلمين بل ربما أشد، ولكنها رغم كل ذلك مازالت فى نظر قطاع كبير من السواد الشعبي بالمنطقة العربية محل تقدير واحترام، بل إن البعض ينظر لها ولنظامها الحاكم كنموذج ملهم للتجربة الإسلامية التي تستحق الدعم، وهو ما يجعل مصداقية هؤلاء محل شك بل يضعهم فى خانة المصابين بالشيزوفرينيا نظرا لتناقض مواقفهم بتلك الصورة الفجة!

أتحدث عن تركيا، تلك الدولة التى تمارس نفس سياسات إسرائيل، فإذا كانت الأخيرة تحتل فلسطين، فالأولى تحتل سوريا، إذا كانت إسرائيل تقصف منازل الفلسطينيين فى غزة، فتركيا تقصف المنازل والمساجد والكنائس والمدارس فى شمال سوريا وشمال العراق، إذا كانت إسرائيل تطرد الفلسطينيين من القدس، فتركيا تطرد السوريين الأكراد من عفرين وتسرق أرضهم وتختطف رجالهم ونسائهم، إذا كان العلم الصهيوني يرتفع فوق القدس والضفة وأراضي فلسطين التاريخية، فالعلم التركي يرفرف فوق إعزاز وجرابلس والباب وعفرين فى شمال سوريا!

خلد الضمير العالمي صورة الطفل محمد الدرة فى مطلع الألفية وهو يحتمي بوالده من رصاص الجيش الصهيوني قبل أن يسقط شهيدا، وتندلع من أجله الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بعد الدرة بأكثر من عقد ونصف العقد وثقت وسائل الإعلام العالمية صورة جثة الطفل الكردي إيلان الذى لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات وهو ملقى على أحد الشواطئ التركية أثناء محاولة عائلته الهروب من سعير الحرب الأهلية التى أشعلتها تركيا فى بلاده.

الفرق الوحيد أن الدرة اندلعت من أجله المظاهرات فى شتى أنحاء العالم دعما لفلسطين ضد الاحتلال، ولكن إيلان اكتفى العالم بمصمصة الشفاة فى انتظار ضحية جديدة ربما تكون أكثر إيلاما.

الصمت على جرائم تركيا دفعها لما يشبه العربدة فى سوريا دون أن يكون هناك سبب منطقي واحد لتلك العمليات العسكرية والهجمات وعمليات القصف الوحشي التى لم تتوقف على المدن السورية منذ سنوات، والتى كان آخرها تلك المجزرة التى ارتكبتها أنقرة والميليشيات الإرهابية المتحالفة معها بناحية تل رفعت ومقاطعة الشهباء بشمال سوريا، ما أسفر عن سقوط 9 قتلى معظمهم أطفال بعضهم لما يتجاوز عمره الثلاث أعوام وإصابة 10 آخرين.

عبد الفتاح عليكو، طفل كردي من شمال سوريا، أحد ضحايا مجزرة تل رفعت التى نفذها جيش الاحتلال التركي، "عليكو" ذو الثلاث أعوام الذى لم يعرف سوى الحرب والدم منذ أن فتحت عيناه على الدنيا تم تهجيره مع عائلته إبان العدوان التركي على عفرين التى احتلتها تركيا مطلع 2018، ولكن أردوغان وميليشياته لم يكتفوا بتهجير الطفل الصغير وعائلته والاستيلاء على منزله فى عفرين، بل طاردوه فى تل رفعت ليقتلوه بقذيفة أودت بحياته التى لم تبدأ بعد إلى الأبد، ليرحل الطفل الصغير إلى الله شاكيا ظلم البلاد والعباد الذين مازال الكثيرون منهم ينظرون لأردوغان كحامي حمى الإسلام، وأسد السنة، ونصير الحريات وناصر المستضعفين!

مجزرة أطفال تل رفعت التى ارتكبتها تركيا توجب بل وتلزم كل منصف عاقل يخاف الله أن يعيد نظرته لتركيا ورئيسها، بل يوجب على كل الشعوب العربية والإسلامية أن تعيد صياغة وتحرير مصطلح العدو ليصبح كل من يمارس سياسات إسرائيل وينتهج نهجها تجاه أى شعب من شعوب المنطقة أيا كان دينه او عرقه أو أصله عدوا تاريخيا لشعوب المنطقة، يجب مقاطعته ثقافيا وسياسيا واقتصاديا.

ليس من العدل أو المنطق أن أعتبر الكيان الصهيوني عدوا تاريخيا بسبب ممارساته بحق الفلسطينين، وأتجاهل بل وأدعم نفس الممارسات القمعية والاستيطانية بحق الشعب الكردي أو شعوب شمال سوريا المستضعفة لمجرد أن مرتكبها هو الرئيس التركي أو حكومة أنقرة.

المنطق لا يتجزأ، وميزان العدل لا يعرف الانحياز، التتريك لا يختلف عن التهويد، ودماء إيمان حجو ومحمد الدرة ليست أكثر قداسة عند الله من دماء عبد الفتاح عليكو وإيلان، مساجد فلسطين ليست أطهر من مساجد شمال سوريا فكلها بيوت الله، أردوغان ليس خليفة المسلمين بل قاتل الأطفال والنساء وقاهر العجائز، ومن يستبيح الدماء وينتهك الأعراض فلن تخدعنا دموعه وهو يتباكى على أطفال الروهينجا أو مسلمي الإيغور.

آن للشعوب العربية أن تستفيق من غفوتها، وتنهض من كبوتها، وتدرك حقيقة أسطورة أردوغان خليفة المسلمين الراشد كما صدرته لنا التيارات والجماعات الإسلامية، أو كما رسخت صورته المسلسلات التركية التاريخية كحفيد أرطغرل حامي الحمي وناصر الضعفاء، وهو فى الحقيقة لا يختلف عن قادة العدو الصهيوني الذين لا يتورعون عن قتل الأطفال وقصف المدارس والمساجد دفاعا عن كيانهم الغاصب ودولتهم الغائرة فى قلب الأمة العربية والمسلمة.

أيها العرب والمسلمون، كفاكم انفصاما وشيزوفرينيا، مذبحة أطفال تل رفعت التى نفذها الاحتلال التركي بحق أطفال شمال سوريا لا تختلف كثيرا عن مذبحة صبرا وشاتيلا التى نفذتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين، بل ربما يحسب للصهاينة أنهم لا يمثلون بالجثث عكس الاحتلال التركي الذى لا تتورع ميليشياته عن ارتكاب تلك الجريمة الشنعاء مع نساء سوريا ومقاتلات الوحدات الكردية بل ومع المدنيين المسالمين، وما جريمة بارين كوباني وهفرين خلف منا ببعيد.

استقيموا يرحمكم الله، وأعلموا أن المبادئ لا تتجزأ ، ومن يدعم فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني لابد أن يكون متسقا مع ذاته ويدعم الكرد وشعوب شمال سوريا ضد الاحتلال التركي، ومن يدافع عن المقاومة الفلسطينية لابد أن يتبنى نفس الموقف من قوات سوريا الديمقراطية.

لا تنخدعوا بدفاع أردوغان عن الإسلام أمام وسائل الإعلام، فهو وربي أكبر منفر من الدين الحنيف، فمن يقتل باسم الدين ويتلو القرآن قبل ذبح ضحاياه لا يمكن أن يكون مسلما على نهج الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بل هو إرهابي مجرم قاتل على نهج الخوارج المارقين عن الإسلام.
Advertisements
AdvertisementS