خلال المرحلة اللّاحقة للحرب العالمية الثانية وفترة ما بعد الحرب (تحديدا عام 1945م) ، كانت أوضاع المجتمع الألماني أكثر من وصفها بالكارثية بسبب هذه الحرب الضروس، التي كان لها أثر بالغ السوء على البنية الأساسية لألمانيا واقتصادها، حيث عاش المجتمع الألماني سنين عجافا في شظفٍ من العيش.
في ظل هذه الأوضاع المتردية ظهر دور المرأة الألمانية، التي ارتأت ضرورة التخلص من هذه الوضعية، التي لا تليق بأي حال من الأحوال بتاريخ ألمانيا، والبدء في إعاد البناء والتعمير للنهوض بالبلاد؛ وقد انعكس هذا الدور في حركة أطلق عليها "نساء الأنقاض"Trümmerfrau، وسبب هذا الوصف أنه وجد بعد الحرب حوالي 3,5 مليون منزل مهدم ، كما لقي معظم الرجال الألمان حتفهم خلال الحرب ، وأما من بقي منهم على قيد الحياة بعدها فقد كان يعاني من إصابات جسدية أو معنوية؛ هنالك وجدت المرأة نفسها أمام واقع مرير من الأعمال الشاقة، التي تمثلت في واجب إزالة أنقاض الحرب، وهو واجب تحملته الألمانيات بكل حب وحماس ودأب.
من منطلق تخصصي في الأدب المقارن (بين الأدبين العربي والألماني) لاحظت أن كثيرا من الأديبات الألمانيات يحاولن جاهدات في كتاباتهن استرجاع هذه الصورة المؤلمة، بهدف التذكير بأنه لابد أن يظل المجتمع الألماني يدًا واحدة في نسيج متماسك بكل أطيافه، للحفاظ على مكتسبات ما قامت به الجدات من إعادة الصورة المُشْرقة والمشرِّفة لألمانيا؛ وفي نفس الوقت أجدني أستحضر صورة بعض فئات المجتمع المصري الحالي وتلك الاحتجاجات العجيبة بسبب محاولات القائمين على البلاد إعمال القانون ضد العشوائيات التي تشبه في ناظري أنقاض Trümmerحرب تسببت فيها على مر عقود من الزمان يد الفساد والرشاوى والمحسوبيات.
فإن كانت السلطات لا تستطيع أن تعثر على المرتشي أو من تسبب في الترخيص لهذه العشوائيات ، فلابد أن يؤخذ على يد الراشي بعقوبة ما، تتحدد بصورة أو بأخرى ، وفي ذلك – كما أرى – درسا له بصورة خاصة وللمجتمع عامة، ألا يقدم مستقبلا على مثل هذا الخطأ أو بالأحرى الخطيئة إن كان تعديا على الأراضي الزراعية وتحويلها إلى كتل خرسانية؛ لذلك أرى أيضا أن عقوبة كتلك تُعد إيقاظا للوعي الجمعي بالحرية المسئولة، تنأى بالفرد عن حريةٍ غير مدرِكة لوجوبية أن يكون ثمة عقل جمعي في الحالة المصرية الراهنة، يضع في حسبانه مصلحة الوطن العليا.
إن إطلاق العنان للحرية الفردية دون سد وحد هو الذي تسبب في تلك العشوائيات، التي تقتل فينا الاحساس بالجمال يوما بيوم، وتلقي بظلالها على كل مناحي الحياة بما فيها الجانب العلمي الأكاديمي بجامعاتنا؛ وتمضي بنا إلى العيش دوما وأبدا في "جيتو اللاوعي"، وأقصد به التفكير خلفَ الستار بمنطق عدم الاكتراث بمصلحة المجتمع الكلية، والتركيز فقط على الأنانية الفردية، ولو على أنقاض بلاد عانت كثيرا من حروب شنها عليها الفاسدون وأذنابهم، الذين يريدون أن يطفئوا الجوانب المضيئة في الشخصية المصرية، التي ورغم عوامل التعرية النفسية ما زالت تحب بلادها.
السؤال هنا: هل يمكن أن يتمخض من الحرب على العشوائيات حركة نسائية مصرية بعنوان "نساء ضد العشوائيات" – قدوتنا في ذلك حركة "نساء الأنقاض" الألمانية - تدعو إلى ايقاظ الوعي المجتمعي، لا تحذر فقط من مغبة الاستمرار في البناء بهذه الصورة القميئة التي تشوه تاريخنا وحاضرنا، بل أيضا ضد العشوائيات والمحسوبيات بأشكالها المختلفة، وتشجع مجتمعنا حينئذ نحو استشراف مستقبل مزهر؟ أم أمل كهذا مجرد بوق في وادي الصم، لنظل قابعين في ""جيتو اللاوعي"، تغيب عنا المخاطر التي تحيط بنا وتهاجمنا من كل حدب وصوب.