تُعرف الهجرة بأنّها الانتقال من الوطن الأصليّ للاستقرار في وطنٍ آخر، والهجرة نهجًا مُتبعًا للرسل والأنبياء عليهم السلام في نشر الدعوة إلى الله تعالى، وكانت هجرة الرسول محمد ﷺ حدثًا تاريخيًا عظيمًا فارقًا في تاريخ الإسلام والمسلمين، حيث كانت السبب الرئيس في انتشار الإسلام في شتى بقاع الأرض، وأول هجرة في الإسلام كانت إلى الحبشة بأمر النبي لأصحابه مرتين، وكانت الهجرة الأولى في شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة، بعد أنْ اشتدّ أذى كفار قريش على المسلمين في مكة فأشار عليهم النبي بالهجرة واختار لهم أرض الحبشة، لأنّ فيها ملكًا عادلًا، لا يقبل الظلم على أحد، وأما هجرة الحبشة الثانية كانت في أواخر العام العاشر وبداية العام الحادي عشر من البعثة، حيث ضاعفت قريش أذاها على المسلمين؛ فأمرهم النبي ﷺ بالخروج إلى الحبشة مجددًا، وقد أرسلت قريش عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، يحملان الهدايا إلى النجاشي، وبطارقته، طالبين إليه إعادة من هاجر من المسلمين، وأخفقت محاولة وفد قريش في استعادتهم، وأعطى النجاشي الأمان للمسلمين، حتى هاجروا من الحبشة إلى المدينة بعد هجرة النبي إليها.
الهجرة إلى المدينة
مكث النبي ﷺ في مكة ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة النبوية يدعو الناس إلى الإسلام، وتعرض الرسول ﷺ والمؤمنين الأوائل لإيذاء شديد من قريش، وقد وصل الإيذاء لدرجة التعدي على رسول الله ﷺ، وأشد ما حدث من إيذاء كان يوم الطائف عندما ذهب رسول الله ليدعو أهلها إلى الإسلام فرفضوا وأعتدوا عليه؛ فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين ثم ناجى ربه وقال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى قريب ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هى أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا و الآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلى بك»، وبعد أن نزل الإذن الإلهيّ بواسطة الوحي بالهجرة؛ أمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا أفرادًا وجماعات، بعد أنّ قاسوا كل أنواع العذاب والأذى والمعاناة إلى مدينة يثرب، وبقى النبي ﷺ في مكة، ووقعت قريش في حيرة! هل يظل في مكة كما فعل في الهجرة إلى الحبشة، أم يهاجر في هذه المرة مع أصحابه؟، وحزمت قريش أمرها، واتخذت قرارها بقتل النبي ﷺ قبل أن تفلت الفرصة من بين أيديها؛ فأعدوا مؤامرتهم للتخلص منه ووقف دعوته، فمنهم من رأى حبسه، ومنهم من رأى نفيه وإخراجه، إلى أن اتفقوا على أن يأتوا من كل قبيلةٍ برجلٍ يقف على باب بيته، فإذا خرج ضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ؛ فلا تتمكن حينها بنو هاشم من المطالبة بالقصاص، ويضيع دمه بين القبائل، وقد أطلع الوحي جبريل عليه السلام، رسول الله بمؤامرة قريش، وقد سجل القرآن الكريم نبأ ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]؛ فأمر الرسول علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنوم في فراشه، وأن يتأخر عنهم بالقدوم إلى المدينة ليؤدي عنه أمانات الناس، وأغشى الله النّعاس على رجال قريش وكانوا عشرة، فلم يروا النبي ﷺ، ونجاه الله تعالى من سيوفهم، وبعد أن أدرك المشركون أنّ عليًّا قد خدعهم بمبيته في فراش النبي الشريف، أسروه لديهم، وانطلقوا فور بلوغهم خبر هجرة النبي لمطاردته ومحاولة قتله، قبل أن يبلغ مسعاه، وقد وضعوا لقاء ذلك عديد الجوائز من مال وذهب ورصدوا مئة ناقة وغيرها من المغريات، فخرجوا يبحثون ويفتشون الجبال والطرقات، حتّى بلغوا غار ثور والذي كان فيه النبي ﷺ وصاحبه الصديق رضي الله عنه؛ فأعمى الله أبصارهم وأغشى أفئدتهم، وقد روى أبو بكر في الصحيحين ما جرى فقال: قلت للنبي ﷺ : وأنا في الغار: لو أنَّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكرٍ باثنين الله ثالثهما» [رواه البخاري ومسلم].
إقامة الدولة الإسلامية
كانت الهجرة إلى المدينة ضرورة ملحة فرضتها الأحداث التي أحاطت بالنبي ﷺ في مكة، وألزمته السعي إلى مكان آخر تُمارس فيها شعائر الإسلام دون تضييق، ولم تكن يثرب عندما نزلها النبي ﷺ مدينة بالمعنى المعروف، وإنما كانت واحات متفرقة في سهل فسيح يسكنها قبائل الأوس والخزرج والجماعات اليهودية، فنظّم العمران بالمدينة، وكان المسجد هو الأساس في هذا التنظيم، وكان هذا المسجد هو مقر الرئاسة الذي تقام فيه الصلاة، وتُبرم فيه كل الأمور، وتُعقد به مجالس التشاور للحرب والسلم واستقبال الوفود، ثم أصلح النبي ما بين الأوس والخزرج وأزال ما بينهما من عداوة، وجمعهما في اسم واحد هو الأنصار، ثم آخى بينهم وبين المهاجرين على أساس أن المؤمنين إخوة، وكانت المرة الأولى التي يعرف فيها العرب شيئا يسمى الأخوة، دون قرابة أو صلة رحم، حيث جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين، بينهما من الروابط ما بين الأخوين من قرابة الدم، وبعد المؤاخاة كانت الصحيفة، وهي الدستور الذي وضعه النبي ﷺ لتنظيم الحياة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها.
التأريخ بالهجرة والاحتفال بها في المحرم
كان العرب يؤرخون بالأحداث الكبرى والوقائع المشهورة، وبعد أن ظهرت الحاجة إلى وضع تقويم وبداية تأريخ، إثر ورود خطاب لأبي موسى الأشعري، أمير البصرة في السنة السابعة عشرة في خلافة عمر، مؤرخًا في شهر «شعبان»، فأرسل إلى الخليفة عمر، يقول: «يا أمير المؤمنين تأتينا الكتب، وقد أرخ بها في شعبان ولا ندري هل هو في السنة الماضية أم السنة الحالية»؛ فجمع عمر الصحابة لحسم المسألة من خلال الشورى التى هى آلية الحاكم لاتخاذ القرار فيما لا نص فيه، وكان من توفيق الله تعالى أن اختار عمر الهجرة لتكون مبدأ لتأريخ المسلمين في السنة السابعة عشر بعد الهجرة النبوية المشرفة، وأسس التقويم الهجري الذي نسير عليه حتى يومنا هذا، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها، وبذلك انطلقت السنة الهجرية من هجرة الرسول التي توافق 622 للميلاد، لتصبح السنة الأولى في التاريخ الهجري، وحول بداية السنة الهجرية، قال بعضهم: ابدأوا برمضان فقال عمر: بل المحرم، فإنه منصرف الناس من حجهم فاتفقوا عليه تكون بداية السنة الهجرية من محرم وتنتهي بذي الحجة.