تحولت شوارع إحدى مناطق محافظة كفر الشيخ، في لحظات خاطفة، إلى مسرح مفتوح لمشهد بدا وكأنه مقطع من فيلم أكشن، حين اختلطت أصوات الذهول مع الخوف، عقب واقعة خطف طفل في وضح النهار، أمام أعين المارة، وعلى مرأى ومسمع من كاميرات المراقبة، التي وثّقت تفاصيل المشهد قبل أن تشعل مقاطعها مواقع التواصل الاجتماعي وتحوّله إلى قضية رأي عام.
بدأت الواقعة بهدوء خادع، عندما كان طفلان يسيران في الشارع، لا يحملان سوى براءتهما وضحكتهما الطفولية، قبل أن تتوقف بجوارهما سيارة بشكل مفاجئ، ويترجل منها رجل بخطوات سريعة ونظرات حاسمة، لتتحول الثواني القليلة التالية إلى لحظات توتر وصراع.
وفي مشهد صادم، حاول الرجل خطف أحد الطفلين بالقوة، وسط صدمة من الطفل الآخر الذي وجد نفسه فجأة في مواجهة غير متكافئة، لكنه رفض التخلي عن صديقه، لتبدأ لحظات من المقاومة الجسدية والصراخ، حبست أنفاس كل من شاهدها.
طفل يتقمص دور البطل لإنقاذ صديقه
المشهد الأكثر تأثيرًا لم يكن في محاولة الخطف نفسها، بل في رد فعل الطفل الصغير، الذي لم يهرب ولم يتراجع، بل اندفع بكل ما يملك من شجاعة طفولية، متشبثًا بصديقه، محاولًا بكل قوة منع الرجل من اقتياده.
وتشبث به بقوة، وصرخ طالبًا النجدة، وركض خلف السيارة، في لقطة بدت وكأنها بطولة خارقة، جسّد فيها الطفل معنى الصداقة الخالصة، دون حساب للخوف أو إدراك لحجم الخطر الذي يواجهه.
ورغم أن الرجل تمكن في النهاية من الفرار بالطفل داخل السيارة، فإن تلك الثواني القليلة كانت كافية لتحويل الطفل الذي حاول الإنقاذ إلى بطل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتشر مقطع الفيديو بسرعة كبيرة، وتصدر قوائم الترند، وسط إشادات واسعة بشجاعته وجرأته، وتعاطف كبير مع الطفل الذي جرى اصطحابه بالقوة.
تحرك أمني سريع وكشف ملابسات الواقعة
ومع تصاعد الجدل وحالة القلق التي سادت الشارع، دخلت وزارة الداخلية على خط الأحداث، لتكشف سريعًا ملابسات الواقعة وتضع حدًا للشائعات والتكهنات.
وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي، أنه في إطار كشف ملابسات منشور مدعوم بمقطع فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، يتضمن قيام أحد الأشخاص بالترجل من سيارة يستقلها رفقة آخر، واستيقاف طفلين وخطف أحدهما عقب مقاومة الطفل الثاني له بدائرة محافظة كفر الشيخ، فقد تم فحص الواقعة على الفور.
وأضاف البيان أن جهود البحث أسفرت عن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقطع الفيديو، وتبين أنه والد الطفل الذي جرى خطفه، كما تم ضبط السيارة المستخدمة في الواقعة وقائدها، والذي تبين أنه صديق المتهم.
وبمواجهة الأب، أقر بأنه حال مشاهدته نجله رفقة الطفل الآخر، قام باصطحابه عنوة، بسبب وجود خلافات أسرية بينه وبين طليقته، والدة الطفل، فيما أيد قائد السيارة أقواله.
وأكدت وزارة الداخلية أنه تم تحرير الطفل وتسليمه، والتحفظ على السيارة المستخدمة في الواقعة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهمين، في إطار تطبيق القانون وحماية أمن وسلامة المواطنين.
الأب يعترف.. والخلافات الأسرية وراء الواقعة
المفاجأة الكبرى في القضية لم تكن فقط في سرعة ضبط المتهم، بل في هوية منفذ الواقعة نفسه، إذ لم يكن غريبًا أو مجرمًا محترفًا، بل والد الطفل، الذي دفعته خلافاته مع طليقته إلى ارتكاب فعل يعاقب عليه القانون، متجاهلًا الآثار النفسية الخطيرة التي قد تترتب على ابنه، فضلًا عن خطورة ما أقدم عليه في مكان عام.
أبعاد قانونية ورسائل مجتمعية
وعلى الصعيد القانوني، أوضح مختصون أن جريمة خطف الأطفال تُعد من الجرائم الجسيمة في قانون العقوبات المصري، حتى وإن كان مرتكبها أحد الوالدين، إذا تمت بغير حق وباستخدام القوة أو التهديد.
وتنص مواد القانون على عقوبات مشددة قد تصل إلى السجن المشدد، لا سيما إذا اقترنت الجريمة باستعمال العنف أو وقعت في الطريق العام، مؤكدين أن الخلافات الأسرية أو نزاعات الحضانة لا تُسقط الوصف الجنائي للجريمة، وأن الطرق القانونية وحدها هي السبيل المشروع لحل تلك النزاعات.
تصريح خاص من الطفل بطل القصة
ومن جانبه، قال الطفل محمد، بطل واقعة الطفل البطل بمحافظة كفر الشيخ، إنه كان متوجهًا لشراء بعض الاحتياجات من الدكان برفقة ابن شقيقته محمد، كعادتهما الدائمة، موضحًا أنهما أثناء عودتهما توقفا لتقسيم المشتريات بينهما.
وأضاف في تصريحات لـ “صدى البلد”: أثناء وقوفنا فوجئنا برجل يرتدي كمامة يحاول خطف محمد، فتمسكت به بقوة ورفضت تركه، رغم أن الرجل ظل يدفعني حتى أسقطني أرضًا. وتابع: لم أترك محمد وقفزت معه داخل السيارة، وبدأت أستغيث بوالدي حتى تجمّع الناس في المكان.
وأكد الطفل أنه لم يشعر بالخوف، بل كان همه الوحيد حماية ابن شقيقته، قائلًا: أنا بحب محمد وبخاف عليه، ومش عايز حد ياخده مني، ولو كان أي طفل تاني كنت هعمل نفس التصرف.
ووجّه رسالة للأهالي قائلًا إن عليهم الانتباه لأبنائهم وعدم تركهم بمفردهم، لأن هناك أشخاصًا سيئين قد يستغلون ذلك، مشيرًا إلى سعادته الشديدة لنجاته وعدم تعرضه للاختطاف.
واختتم حديثه قائلًا إنه لم يكن يعلم أن الرجل الذي حاول اصطحاب الطفل هو والده، مؤكدًا أن ما فعله كان بدافع الحب والخوف على محمد فقط.

