فتاوى
هل يصح سماع القرآن أثناء العمل؟
حكم عمل وليمة لانقضاء العام بدوام الصحة لأهل المنزل
التسمية عند النحر .. اعرف وقتها وحكم نسيانها
نشر موقع صدى البلد خلال الساعات الماضية عددا من الفتاوى التى يتساءل عنها كثير من المسلمين نستعرض بعض منها فى التقرير التالى.
هل يصح سماع القرآن أثناء العمل؟
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا مضمونه: هل يصح سماع القرآن أثناء العمل؟
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [لأعراف: 204]، ونقل الإمام القرطبي في "تفسيره" (7/ 354، ط. دار الكتب المصرية) قال: [وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ فِي "فَوَائِدِ الْقُرْآنِ" لَهُ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُكْثِرُونَ اللَّغَطَ وَالشَّغَبَ تَعنُّتًا وَعِنَادًا، عَلَى مَا حَكَاهُ اللهُ عَنْهُمْ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾] اهـ.
وتابعت: أما إذا قام بعض المسلمين بتشغيل شرائط القرآن أثناء عملهم وانشغالهم بهذا العمل دون أن يتعمدوا الانصراف عن الاستماع أو صرف المستمعين عن الاستماع فلا مانع شرعًا من ذلك.
هل قراءة القرآن من الهاتف يلزمها الوضوء
وتابع أمين الفتوى أن القراءة من الأجهزة الإلكترونية لا تستوجب الطهارة، وإن كان الوضوء أفضل وأكمل من باب تعظيم كلام الله، مستشهدًا بما ذكره الإمام النووي في كتابه “التبيان في آداب حملة القرآن”، حيث أشار إلى استحباب الوضوء عند التعامل مع القرآن الكريم، تعظيمًا لشأنه.
ولفت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على الوضوء عند قراءة القرآن، في دلالة واضحة على فضل الطهارة وأهميتها، إلا أن ذلك لا يعني بطلان القراءة بدون وضوء، إذ تظل صحيحة وجائزة شرعًا.
وأوضح الدكتور محمود شلبي، أمين لجنة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن قراءة القرآن من المصحف الورقي لا تجوز بدون وضوء، لأن مس المصحف يشترط له الطهارة، مستدلًا بقوله تعالى: «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» من سورة الواقعة.
وبيّن أن كثيرًا من الصحابة فسروا الآية بأن المقصود بها الملائكة، إلا أن تخصيص وصف “المطهرين” يدل على مكانة المصحف ووجوب صيانته بالطهارة.
وأكد شلبي هذا المعنى بما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مالك في “الموطأ”، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن في الكتاب الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم: «ألا يمس القرآن إلا طاهر»، وهو ما اعتمد عليه الفقهاء في اشتراط الوضوء لمس المصحف.
وأشار إلى أن قراءة القرآن دون وضوء جائزة إذا لم يصاحبها مس للمصحف، فيجوز للمسلم أن يردد الآيات وهو يسير في الطريق، أو يقرأ من الهاتف المحمول دون وضوء، موضحًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله ويقرأ القرآن على أحواله كلها، إلا في حالة الجنابة، حيث لا يمس المصحف حتى يطهر.
حكم عمل وليمة لانقضاء العام بدوام الصحة لأهل المنزل
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا مضمونه:ما حكم عمل وليمة مرة كل عام شكرًا لله؟ فقد اعتاد والدي على القيام بعمل وليمة عند حدوث أمر يفرحه فرحًا شديدًا، كنجاحنا في كل عام، وكذلك عند انقضاء العام بدوام الصحة والعافية لأهل المنزل، وغير ذلك من باب شكر الله تعالى على نعمه، فما حكم الشرع في ذلك؟
وأجابت الإفتاء على السؤال قائلا: ما اعتاده والد السائل من عمل الوليمة مرة كل عام شكرًا لله تعالى على نعمه جائزٌ شرعًا؛ فهي مندرجة تحت إطعام الطعام المندوب إليه شرعًا، مع مراعاة عدم الإسراف والتبذير، وألا تتضمن محرمًا في المطعم والمشرب والمفرش أو شيئًا من اللهو المحرم، وألا يُخَصَّ فيها الأغنياء دون الفقراء؛ تحقيقًا لمعاني الإحسان والأدب وجبر الخواطر.
بيان معنى الوليمة
لفظ الوليمة مشتق من الوَلْم، وهو الاجتماع، والمشهور استعمالها مطلقة عن أيّ قيد في وليمة العُرس، وتستعمل في غيره بقيد، وتقع على كل طعام يُتَّخذ لسرور حادث من عرسٍ وغيره، وتحصل الوليمة بالذبح وغيره، وكل ما يصدق عليه معنى الطعام، وهي باللحم أفضل عند القدرة على تحصيله؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِلَالًا بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأَلْقَى عَلَيْهَا التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْن» أخرجه البخاري.
يقول الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (5/ 2105، ط. دار الفكر): [إعلامٌ بأنَّه ما كان فيها من طعام أهل التَّنعُّم والتَّترُّف، بل من طعام أهل التَّقشُّف من التمر وَالأَقِطِ والسمن] اهـ.
حكم عمل وليمة في كل عام شكرًا لله
عمل الولائم له أسباب متعددة؛ منها: الشكر على النعمة في كل عام، والوليمة في كل عام شكرًا لله على النعمة الأصل فيها أنها جائزة شرعًا؛ لما فيها من إطعام للطعام، وشكر الله تعالى على تجدد النعم، وإدخال السرور على قلوب الناس.
ودلت نصوص الشرع الشريف على استحباب إطعام الطعام شرعًا، قال تعالى في شأن الأبرار مادحًا صفاتهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي الإسلام خير؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» متفق عليه.
وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب وكان أول شيء تكلم به أن قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» أخرجه الأئمة: أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
وعن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ» أخرجه الأئمة أحمد، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، والطبراني في "مكارم الأخلاق"، وغيرهم.
وعن أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا»، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» أخرجه الأئمة أحمد، والطبراني في "مكارم الأخلاق"، والبيهقي في "البعث والنشور"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.
وذكر الإمام أبو حامد الغزالي بعض ما جاء عن الصحابة مما يبين أن إطعام الطعام من أجلِّ القربات عند الله تعالى، فقال في "إحياء علوم الدين" (2/ 9، ط. دار المعرفة): [وقال عليٌّ رضي الله عنه: لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إليَّ من أن أعتق رقبة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه، وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق، وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق] اهـ.
وهذا ما قرره الأئمة والعلماء، حيث نصوا على أن هذه العبادة من خصال الأبرار، قال الإمام ابن رشد المالكي في "البيان والتحصيل" (18/ 196، ط. دار الغرب الإسلامي): [في إطعام الطعام قال مالك: كان ابن عمر لا يكاد يوصل إلى طعامه، فقيل له يا أبا عبد الله لم؟ قال: لتضايق الناس عليه وكثرة من يغشاه، ولقد نزل يوما بالجحفة فأتى صبي أسود أغلف عريان سائل فسأله، فقال اقعد فكل، قال فدار فلم يجد موضعا لتضايق الناس على الطعام، فلما رأى ذلك منه ابن عمر دعاه فألصقه إلى صدره، فقال له كل، قال فزعم الذي حدث قال فلقد رأيته ولقد لصق إلى بطنه. قال محمد بن رشد: إطعام الطعام من أفعال الأبرار] اهـ.
وقال الشيخ الحسن اليوسي في "المحاضرات في اللغة والأدب" (ص: 320-321، ط. دار الغرب الإسلامي): [ويحكى عن الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن ياسين الدغوغي أنه كان يقول: "طلبنا التوفيق زمانًا فأخطأناه، فإذا هو في إطعام الطعام"] اهـ.
كما حثت نصوص الكتاب والسنة على شكر الله تعالى وحمده على نعمه الجديدة والمتجددة، فقال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]، والمعنى: لئن شكرتم نعمتي وأفضالي عليكم لأزيدن من تفضلي عليكم.
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 343، ط. دار الكتب المصرية، القاهرة): [(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)؛ أي: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي] اهـ.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ ليَرضى عَن العبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ فيحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيحمَدَهُ علَيها» أخرجه الإمام مسلم.
وإذا قيَّدَ الإنسان فعله بشكر الله تعالى كان ذلك أمرًا مستحبًّا، ولفاعلها الأجر والثواب على ذلك.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (7/ 286، ط. مكتبة القاهرة) في مطلق الدعوة لغير وليمة العُرس: [هي بمنزلة الدعوة لغير سبب حادث، فإذا قصد فاعلها شكر نعمة الله عليه، وإطعام إخوانه، وبذل طعامه، فله أجر ذلك إن شاء الله تعالى] اهـ.
كما أن إدخال السرور على قلوب الناس من أحب الأعمال إلى الله تعالى؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا...» أخرجه الطبراني في المعجمين "الكبير" و"الأوسط".
وأوضحت بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فما اعتاده والد السائل من عمل الوليمة مرة كل عام شكرًا لله تعالى على نعمه جائزٌ شرعًا؛ فهي مندرجة تحت إطعام الطعام المندوب إليه شرعًا، مع مراعاة عدم الإسراف والتبذير، وألا تتضمن محرمًا في المطعم والمشرب والمفرش أو شيئًا من اللهو المحرم، وألا يُخَصَّ فيها الأغنياء دون الفقراء؛ تحقيقًا لمعاني الإحسان والأدب وجبر الخواطر.
التسمية عند النحر .. اعرف وقتها وحكم نسيانها
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا مضمونه: ما وقت التسمية في الذبح؟ وما الحكم لو نسي الذابح التسمية؟
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: الأصل أن التسمية عند الذبح سنة، ووقتها يكون عند فِعل الذبح، ويجوز إيقاعها قبل الذبح بوقت يسير لا يُشعِر بالفصل بينهما، ومن نسي التسمية عند الذبح فذبيحته حلالٌ، ولا شيء عليه.
اشتراط الذبح لحلّ أكل لحم الحيوان
من المقرر شرعًا أن تذكية (ذبح) الحيوان مأكول اللحم شرط لحله؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، ولما ورد عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوا» متفق عليه.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (13/ 123، ط. دار إحياء التراث العربي): [في هذا الحديث تصريح بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم، ولا يكفي رضها ودمغها بما لا يجري الدم... والحكمة في اشتراط الذبح وإنهار الدم تمييز حلال اللحم والشحم من حرامهما، وتنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها] اهـ.
حكم التسمية عند الذبح
التسمية عند الذبح سنة مستحبة، وليست شرطًا في صحة الذبح ولا حل الذبيحة؛ فلا يؤثر تركها على حِلها، إلّا أنه بعدم تسميته يكون الذابح تاركًا للسنة على ما ذهب إليه الإمام أشهب من المالكيةِ، والشافعيةُ، والإمام أحمد في رواية، (وهو المختار للفتوى). يُنظر: "حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني" للشيخ العدوي المالكي (1/ 575، ط. دار الفكر)، و"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني الشافعي (6/ 105، ط. دار الكتب العلمية)، و"الإنصاف" للإمام المرداوي الحنبلي (10/ 399، ط. دار إحياء التراث العربي).
الوقت المعتبر للتسمية عند الذبح
أما الوقت المعتبر للتسمية: فالأصل في التسمية مقارنتها لفعل الذبح؛ كأن يسمي الله تعالى عند تحريك يده بالسكين على رقبة المذبوح، إلَّا أنه لما كان يصعب على الإنسان -في بعض الأحوال- إيقاع الذبح مقارنًا للتسمية، أو متصلًا بها اتصالًا مباشرًا، أجاز الشرع الشريف للذابح أن يأتي بالتسمية قبل الذبح بوقت يسير لا يمكن التحرز عنه، بحيث لا يُعَدُّ في العرف قطعًا للاتصال بين التسمية وفعل الذبح؛ رحمة بالمكلفين، ورفعًا للحرج والضيق عنهم في أمور دينهم ودنياهم؛ عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
قال الإمام فخر الدين الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (5/ 288، ط. الأميرية): [وتشترط التسمية حالة الذبح -أي: على الذبيحة-... والمعتبر أن يذبح عقيب التسمية قبل أن يتبدل المجلس، حتى إذا سمى واشتغل بعمل آخر من كلام قليل أو شرب ماء، أو أكل لقمة، أو تحديد شفرة، ثم ذبح تحل...؛ لأن إيقاع الذبح متصلا بالتسمية بحيث لا يتخلل بينهما شيء لا يمكن إلا بحرج عظيم] اهـ.
وقال الشيخ الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (3/ 15، ط. دار الفكر): [التسمية أيضا واجبة مع الذكر في الذكاة من حيث هي، فيقول: باسم الله والله أكبر عند الذبح، وعند النحر، وعند الإرسال في العقر] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "شرح المنهج" (4/ 287، ط. الحلبي): [(و) -أي: ويسن للذابح- أن (يسمي الله وحده) عند الفعل؛ من ذبح، أو إرسال سهم أو جارحة، فيقول: بسم الله؛ للاتباع فيهما] اهـ.
وقال الإمام البهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (3/ 421، ط. عالم الكتب): [الشرط (الرابع: قول: بسم الله عند حركة يده)، أي: الذابح (بذبح)... وذكر جماعة: وعند الذبح قريبا منه، ولو فصل بكلام؛ كالتسمية على الطهارة] اهـ.
حكم من نسي التسمية عند الذبح
أمّا من نسي التسمية على الذبيحة عند الذبح، فإن ذبيحته حلال، ويجوز له أن يأكل منها، ولا إثم عليه؛ وذلك لما أخرجه الإمام البخاري موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «مَنْ نَسِيَ فَلَا بَأْسَ».
قال الشيخ بدر الدين العيني في "عمدة القاري" (21/ 111، ط. دار إحياء التراث العربي): [(من نسي) التسمية على الذبيحة (فلا بأس)، يعني: لا تحرم الذبيحة] اهـ.
كما أن عدم حل الذبيحة التي نسي التسمية عليها فيه حرج وضيق على المكلف؛ لأن الإنسان قلما يخلو عن النسيان، فكان في اعتباره حرج، والشريعة جاءت باليسر ورفع الحرج والضيق عن المكلفين؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
وعلى حل أكل لحم الحيوان المذبوح دون أن يُذكر اسم الله عليه نسيانًا من الذابح عند الذبح تواردت نصوص الفقهاء.
قال الإمام الموصلي الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (5/ 10، ط. الحلبي): [(فإن ترك التسمية ناسيا حل)؛ لأن في تحريمه حرجا عظيما؛ لأن الإنسان قلما يخلو عن النسيان، فكان في اعتباره حرج] اهـ.
وقال العلامة أبو الحسن المالكي في "كفاية الطالب الرباني -ومعه حاشية العدوي" (1/ 575، ط. دار الفكر): [(ومن نسي التسمية في ذبح أضحيته أو غيرها فإنها تؤكل] اهـ.
وقال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (6/ 105): [(و) يسن للذابح... أن يقول) عند ذبحها: (بسم الله)؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118]، ولا تجب، فلو تركها عمدًا أو سهوًا حلّ] اهـ.
وقال الشيخ البهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (3/ 421): (وتسقط) التسمية (سهوًا...؛ لحديث شداد بن سعد] اهـ.
أمَّا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]؛ فلا يدل على أن ما ذبح فنسي أن يذكر اسم الله عليه لا يحل؛ بل المراد به: ما ذبح للأصنام، أو ما مات بدون تذكية، أو كان الذابح ممن لا تحل ذبيحته.
قال الإمام الطبري في "جامع البيان" (9/ 529، ط. دار هجر): [إن الله عنى بذلك: ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته. وأما من قال: عنى بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله، فقول بعيد من الصواب؛ لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله] اهـ.
وأكدت بناء على ما سبق وفي السؤال: فالأصل أن التسمية عند الذبح سنة، ووقتها يكون عند فِعل الذبح، ويجوز إيقاعها قبل الذبح بوقت يسير لا يُشعِر بالفصل بينهما، ومن نسي التسمية عند الذبح حلت ذبيحته، ولا شيء عليه.



