أعادت وكالة الفضاء الأميركية ناسا إشعال الجدل العلمي حول الحياة خارج كوكب الأرض، بعدما أعلنت عن رصد بصمة حيوية محتملة على سطح المريخ.
كشفت مركبة «برسيفيرانس» الجوالة، أثناء استكشافها قاع بحيرة قديمة جافة، عن آثار تفاعلات كيميائية من نوع الأكسدة والاختزال، وهي عمليات قد تكون ناتجة عن نشاط بيولوجي أو عن ظواهر جيولوجية بحتة.
ورغم غموض مصدر هذه التفاعلات، فإن الاكتشاف يعد فصلا جديدا في رحلة طويلة بدأها العلماء منذ عقود للبحث عن مؤشرات حياة على الكواكب المجاورة، بل وحتى خارج نظامنا الشمسي.
ما المقصود بالبصمة الحيوية المحتملة؟
لا يوجد تعريف قاطع لما يسمى «البصمة الحيوية» فالكيمياء غير الحيوية قادرة أحيانا على إنتاج تراكيب معقدة تشبه تلك التي تصنعها الكائنات الحية، ما يجعل التمييز بين الحياة والعمليات الطبيعية تحديا كبيرا.
يقول عالم الأحياء الفلكية شون ماكماهون من جامعة إدنبرة إن الكيمياء البيولوجية نفسها تنبثق في الأصل من كيمياء غير حية، وهو ما يطمس الحدود الفاصلة بين العالمين.
ويضيف أن العلماء غالبا ما يبحثون عن «إشارة أعلى من المستوى الطبيعي»، دون أن يكونوا متأكدين تماما من ماهية هذا المستوى.
دروس من الأرض الحياة قد تكون خادعة
حتى على كوكب الأرض، واجه العلماء صعوبة في إثبات أصول بعض أشكال الحياة القديمة فقد استغرق الأمر قرابة 20 عاما لتأكيد الأصل البيولوجي لميكروبات متحجرة في أستراليا يعود تاريخها إلى 3.45 مليار سنة.
وتوضح الباحثة الفرنسية فرانسيس ويستال أن اكتشاف أدوات دقيقة لقياس آثار ضئيلة جدا من الكربون كان العامل الحاسم في إثبات أن تلك التراكيب كانت بالفعل ناتجة عن كائنات حية.
وتشير إلى أن بعض أشكال الحياة المحتملة في الفضاء قد تكون «شديدة البساطة وصعبة الاكتشاف».
تجربة «فايكينغ» أول لغز مريخي
في عام 1976، دخلت مركبات «فايكينغ» التاريخ كأول روبوتات تهبط على سطح المريخ. وحملت معها تجربة علمية صممت للكشف عن النشاط البيولوجي في تربة الكوكب الأحمر.
وأظهرت النتائج انبعاث غازات تشبه تلك الناتجة عن عمليات أيضية للكائنات الحية، ما أثار حماسة كبيرة آنذاك لكن عدم تكرار النتائج لاحقًا، واكتشاف تفاعلات كيميائية غير حيوية في تربة المريخ، جعلا العلماء يعيدون تفسير البيانات بحذر شديد ولا تزال نتائج «فايكينغ» حتى اليوم محل جدل علمي واسع.
نيزك مريخي أربك العالم
في عام 1996، عاد الحديث بقوة عن الحياة على المريخ بعد الإعلان عن اكتشاف تراكيب غامضة داخل نيزك مريخي عثر عليه في القارة القطبية الجنوبية، يعرف باسم آلان هيلز 84001.
ورغم التكهنات الأولى التي رأت فيها بقايا كائنات مريخية قديمة، فإن الإجماع العلمي اليوم يميل إلى تفسيرها بعمليات جيولوجية غير حيوية ومع ذلك، لعبت هذه الحادثة دورا محوريا في تحفيز الاهتمام العالمي بعلم الأحياء الفلكي.
البحث في الأغلفة الجوية نافذة جديدة
لم يعد البحث عن الحياة مقتصرا على أسطح الكواكب، بل امتد إلى الأغلفة الجوية ففي عام 2021، أعلن علماء عن رصد غاز الفوسفين في غلاف كوكب الزهرة، وهو مركب قد يكون له أصل حيوي أو غير حيوي.
كما أعلن لاحقا عن مؤشر حيوي محتمل في الغلاف الجوي للكوكب الخارجي K2-18b، الواقع على بعد 124 سنة ضوئية من الأرض هذه الاكتشافات، رغم إثارتها، فتحت الباب أمام موجة من الأبحاث التي تسعى لتفسيرها بآليات غير بيولوجية.
المريخ البداية لا النهاية
اكتشاف مركبة «برسيفيرانس» الأخير لا يُعد دليلًا قاطعًا على وجود حياة، بل خطوة أولى في مسار طويل.
وتتمثل الخطة المستقبلية في إرسال مهمة جديدة لجمع عينات من المريخ وإعادتها إلى الأرض لتحليلها بأدق الوسائل الممكنة.
غير أن هذه الخطط تواجه تحديات، في ظل مقترحات لتقليص ميزانيات بعض برامج ناسا، ما قد يؤخر حسم هذا السؤال المصيري.



