يدخل العالم عام ٢٠٢٦ وهو يقف عند لحظة فارقة في مسار النظام الدولي لحظة لم تعد فيها الأزمات أحداثًا طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات تقليدية بل تحولت إلى سمات ورؤية تعكس عمق التحولات الجارية في بنية السياسة والاقتصاد العالميين ومن ضمنها ما رأيناه من الولايات المتحدة الأمريكية من اعتقال رئيس دولة فنزويلا...
هل سيفتح المجال أمام الصين لتعتقل رئيس تايوان...
وهل سيفتح مجال لرئيس لروسيا ليعتقل رئيس أوكرانيا...
أم هذه الأحداث من ضمن النظام الأمريكي الذي تشكل عقب الحرب الباردة المهدد تآكله التدريجي دون أن يفرز بديلًا مستقرًا ما يخلق حالة ممتدة من عدم اليقين تفرض نفسها على مراكز القرار والأسواق في آن واحد .
ومن هذا السياق تتداخل السياسة بالاقتصاد على نحو غير مسبوق للاستلاء على الثراوات الاقتصادية وتصبح الجغرافيا مجددًا أحد محددات القوة بينما يتحول القرار الاقتصادي إلى أداة سياسية بامتياز جيوسياسي .
لذلك العالم سياسيًا يعكس عام ٢٠٢٦ أنه استمرار التنافس بين القوى الكبرى في إطار نظام دولي يتجه نحو تعددية قطبية غير مكتملة المعالم بينما الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في عالم لم يعد خاضعًا للهيمنة المنفردة في حين تمضي الصين في توسيع حضورها الاقتصادي والاستثماري باعتباره مدخلًا لتكريس دور سياسي طويل الأمد أما أوروبا فتجد نفسها أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على التوفيق بين اعتبارات الأمن وضغوط الطاقة ومتطلبات التنافس الاقتصادي بينما الشرق الأوسط في قلب هذه التفاعلات، يحتفظ بمكانته كإقليم ومنطقة محورية لا فقط باعتباره ساحة صراع بل بوصفه عقدة وصل حيوية في معادلات الطاقة والتجارة والأمن العالمي .
بالنسبة للعالم اقتصاديًا في مشهد عام ٢٠٢٦ لا يمكن الفصل عن تداعيات سنوات من الاضطراب المالي والنقدي .
لأن التضخم العالمي رغم تراجعه النسبي لا يزال يعكس اختلالات هيكلية في سلاسل الإمداد والتوريد وأسواق الغذاء والطاقة كما أن السياسات النقدية المتشددة تركت آثارًا ممتدة على النمو والاستثمار خاصة في الاقتصادات الناشئة بينما في المقابل تتسارع اتجاهات إعادة توطين الصناعة والتحول نحو الاقتصاد الأخضر وتكريس الرقمنة بوصفها ركيزة أساسية للنمو وهي تحولات تفتح فرصًا جديدة لكنها تفرض شروطًا صارمة على الدول الساعية للاندماج في النظام الاقتصادي العالمي الجديد .
وبالنسبة لمصر في هذا المشهد العالمي شديد التعقيد تدخل عام ٢٠٢٦ وهي تخوض مرحلة دقيقة من إعادة بناء التوازن بين الاستقرار الاقتصادي والضغوط الاجتماعية وبين متطلبات الداخل وتحولات الخارج وقد ارتبط هذا المسار بشكل وثيق برؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي التي قامت على إدراك مبكر بأن مصر في وسط عالم مضطرب لا يمكنها الاعتماد على الحلول المؤقتة أو السياسات قصيرة الأجل بل تحتاج إلى بناء قواعد صلبة للصمود الاقتصادي والمؤسسي .
ومن هنا لم يكن دعم القيادة السياسية لمسار الإصلاح الاقتصادي مجرد خيار تقني بل قرارًا استراتيجيًا بقيادة الرئيس يستهدف تحصين الدولة والحفاظ على قدرتها على اتخاذ القرار المستقل .
لذلك قد تعاملت مصر مع التحديات الاقتصادية العالمية من تقلبات أسعار الطاقة إلى اضطرابات التجارة الدولية ضمن رؤية تسعى إلى تقليل الهشاشة الاقتصادية وتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل .
ومن هذا الإطار عمل الرئيس السيسي دورًا محوريًا في ربط السياسة الاقتصادية بمفهوم الأمن القومي وإدراكًا بأن قوة الدولة لا تقاس فقط بحجم ناتجها المحلي بل بقدرتها على ضمان الاستقرار الداخلي واستدامة مواردها وانعكس هذا التوجه في دعم مشروعات البنية التحتية الكبرى وتوسيع قاعدة التصنيع وتعزيز موقع مصر كمركز لوجستي إقليمي في ظل إعادة رسم خرائط التجارة العالمية .
لذلك بالنسبة لمصر سياسيًا أعادت في ظل القيادة الحالية صياغة دورها الإقليمي والدولي على أساس التوازن لا الاستقطاب وعلى قاعدة المصالح لا الشعارات فقد أصبحت السياسة الخارجية أكثر التصاقًا بالأهداف الاقتصادية سواء عبر جذب الاستثمارات أو توسيع الشراكات مع قوى دولية متعددة أو تعزيز الحضور المصري في إفريقيا والشرق الأوسط باعتباره عنصر استقرار في بيئة إقليمية مضطربة تواجه التحديات .
لذلك أرى هذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في عام ٢٠٢٦ حيث تتحول الدول القادرة على الجمع بين الاستقرار السياسي والجدوى الاقتصادية إلى شركاء مفضلين في النظام الدولي المتشكل .
وأرى مصر اقتصاديًا تمثل في ٢٠٢٦ حالة انتقالية من منطق الإصلاح القائم على الاحتواء إلى منطق الإصلاح القائم على الإنتاج فالتوجه الحكومي المدعوم بإرادة سياسية واضحة يركز على تحويل الاستثمارات العامة الضخمة إلى قيمة مضافة حقيقية عبر تعميق التصنيع المحلي وجذب استثمارات نوعية وتوسيع دور القطاع الخاص مع الحفاظ على دور الدولة كمنظم وضامن للاستقرار .
كما تتجه السياسات الاقتصادية أيضًا إلى تحسين كفاءة إدارة الدين وزيادة الصادرات وتعزيز موارد النقد الأجنبي في ظل إدراك متزايد بأن الاستدامة الاقتصادية لا تتحقق بالحلول المؤقتة بل ببناء اقتصاد قادر على المنافسة وتوليد فرص العمل وربط النمو بالبعد الاجتماعي .
ومن هذه الرؤية يمكن القول إن ما يميز عام ٢٠٢٦ سياسيًا واقتصاديًا ليس فقط كثافة التحديات بل طبيعة الأسئلة التي تفرضها على الدول والمجتمعات معًا .
فالعالم لم يعد ينقسم ببساطة إلى دول متقدمة وأخرى نامية بل إلى دول قادرة على التكيف ودول عالقة في نماذج تجاوزها الزمن .
ومن هنا يصبح معيار القوة هو امتلاك الرؤية قبل امتلاك الموارد والقدرة على الإدارة قبل وفرة الإمكانات .
ومن هذا المنظور فإن الرهان الحقيقي لمصر لا ينحصر في تجاوز الضغوط الآنية بل في ترسيخ نموذج دولة حديثة قادرة على قراءة التحولات العالمية بوعي استباقي وتحويل موقعها الجغرافي ووزنها السياسي إلى أدوات تأثير سياسي واقتصادي ومعرفي مستدام .
لأن عام ٢٠٢٦ يفتح نافذة اختبار حقيقية لقدرة مصر على البقاء في نظام فاعلًا دولي يتسم بالتقلب وعدم اليقين .
وأرى مصر بما لديها من خبرة سياسية وما تمتلكه من إرادة سياسية واضحة تقف أمام فرصة لإعادة تعريف دورها ليس فقط كدولة تسعى للاستقرار بل كفاعل يسهم في صياغة التوازنات الإقليمية والاقتصادية.
فالتاريخ لا يكافئ من ينتظر اكتمال الظروف بل من يملك الشجاعة لاتخاذ القرار في لحظة التحول وبين اضطراب العالم ورهان الدولة يبقى المستقبل مفتوحًا أمام من يحسن القراءة ويتقن الفعل ويدرك أن السياسة والاقتصاد لم يعودا مجالين منفصلين بل وجهين لعملة واحدة في معركة البقاء والتقدم في العالم .