قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمد عسكر يكتب: أزمة الرقائق الإلكترونية.. حين تكشف التكنولوجيا هشاشة العالم الحديث

د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى
د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

قد تبدو الرقائق الإلكترونية، بحجمها المتناهي في الصغر، تفصيلاً تقنياً لا يثير اهتمام القارئ العادي، لكنها في الحقيقة باتت تمثل العمود الفقري للعالم الرقمي الحديث. فأي خلل في إنتاج هذه الرقائق لا ينعكس فقط على أسواق الهواتف والسيارات، بل يمتد ليكشف عمق الاعتماد الإنساني على التكنولوجيا، وهشاشة النظام العالمي الذي بُني على افتراض الاستقرار الدائم للتقدم التقني.
أزمة الرقائق الإلكترونية ليست مجرد أزمة صناعية، بل هي مرآة ثقافية تعكس طبيعة العصر الذي نعيشه؛ عصر السرعة، والاستهلاك، والترابط الشديد بين المجتمعات. لقد اعتاد الإنسان الحديث على وفرة التكنولوجيا، حتى أصبح ينظر إليها كحق مكتسب لا ينقطع. فجاءت الأزمة لتذكّر العالم بأن هذا التقدم ليس مضموناً، وأن الحضارة الرقمية، رغم مظهرها المتين، تقوم على سلاسل إمداد دقيقة وقابلة للانكسار.
فى وجهة نظري، تكشف الأزمة أن العالم، رغم شعاراته عن العولمة والانفتاح، لكنه في جوهره شديد التمركز لا يزال يفتقر إلى رؤية عادلة لتوزيع المعرفة والتكنولوجيا، وهو ما يجعل معظمنا مجرد متلقي لما يقرره القلة القادرة على السيطرة على مفاتيح المستقبل الرقمي. فصناعة الرقائق، التي يعتمد عليها كوكب بأكمله، تتركز في عدد محدود من الدول والشركات. هذا التركز لا يعكس فقط خللاً اقتصادياً، بل يطرح سؤالاً أخلاقياً وثقافياً حول عدالة توزيع المعرفة والتكنولوجيا، وحول من يملك مفاتيح المستقبل ومن يُترك على هامشه.
كما أن التوترات السياسية بين القوى الكبرى، خصوصاً بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، أضفت على الأزمة بعداً حضارياً جديداً. فالصراع هنا لم يعد يدور حول النفط أو الموارد والأراضي، بل حول "العقل الإلكتروني" الذي يشغّل العالم. الرقائق تحولت إلى رمز للسيادة، وإلى أداة قوة ناعمة وخشنة في آن واحد. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الأزمة بوصفها فصلاً جديداً في تاريخ الصراعات الإنسانية، حيث تتقدّم التكنولوجيا هذه المرة إلى واجهة السياسة، وتصبح الثقافة التقنية جزءاً من الهوية الوطنية.
أما في العالم العربي، فتتخذ الأزمة بعداً ثقافياً أشد عمقاً. فهي لا تكشف فقط عن تبعية اقتصادية، بل عن فجوة معرفية مزمنة. فالمجتمعات التي تستهلك التكنولوجيا دون أن تساهم في إنتاجها تظل دائماً في موقع المتلقي، مهما امتلكت من موارد مالية. أزمة الرقائق أعادت إلى ذهنى سؤالاً لطالما روادنى: هل سنظل مكتفين باستيراد المستقبل، أم سنخوض تحدي صناعته بأيدينا؟
من اللافت للنظر أن الخطاب العام في كثير من مجتمعاتنا لا يزال يتعامل مع التكنولوجيا بوصفها منتجاً جاهزاً، لا منظومة فكرية وعلمية متكاملة. نحتفي بالأجهزة الحديثة، لكننا نغفل الاستثمار في البحث العلمي، وفي بناء الإنسان القادر على الفهم والإبداع. وهنا تكمن المشكلة الثقافية الأعمق إذ لا يمكن لأي أمة أن تضمن لنفسها موقعاً في عالم الغد ما لم تجعل من المعرفة قيمة جوهرية، لا مجرد شعاراً عابراً.
في رأيي، إن أزمة الرقائق تكشف عن هشاشة العلاقة بين الإنسان والآلة. فكلما ازداد اعتمادنا على هذه الشرائح الدقيقة وعلى التكنولوجيا بصفة عامة، ضَعُفَت قدرتنا على العمل خارج هذة المنظومة الرقمية، حتى أن أي انقطاع بسيط في الإمدادات قادر على شل قطاعات حيوية من حياتنا اليومية، من التعليم إلى الصحة والتواصل. هذه الحقيقة تجعلنا نعيد التفكير في مفهوم التقدم نفسه: هل هو تراكم أدوات، أم بناء توازن حقيقي بين ما تمنحه لنا التكنولوجيا وما تحتفظ به قدراتنا الإنسانية على التكيّف والابتكار؟ 
لا يمكن النظر إلى أزمة الرقائق باعتبارها حدثاً عابراً، بل هي إنذار مبكر لعالم بالغ التعقيد. إنّها تذكير بأن الثقافة، في جوهرها، ليست أدباً وفنوناً فقط، بل طريقة تفكير في العلم، وفي الاقتصاد، وفي السلطة. فالأمم التي تنجح في تجاوز هذه الأزمة ليست فقط تلك التي تبني مصانع، بل تلك التي تبني وعياً طويل المدى بقيمة المعرفة والاستقلال التكنولوجي.
في النهاية، قد تنتهي أزمة الرقائق خلال سنوات، وتعود الأسواق إلى الاستقرار، لكن الأسئلة التي أثارتها ستظل قائمة. فهل نتعلم من هذه اللحظة التاريخية؟ أم نعود إلى استهلاك التكنولوجيا بالوتيرة نفسها، حتى أزمة جديدة؟ الجواب، في جوهره، ليست تقنياً فحسب، بل ثقافياً بالدرجة الأولى يتعلق بقدرتنا على إعادة التفكير في علاقتنا بالتكنولوجيا وبالمستقبل الذي نصنعه بأيدينا.