قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمد بشاري يكتب: حين يصير العِلمُ سكينةً.. ثمانون عامًا من حكمةٍ تصون الوئام

د. محمد بشاري
د. محمد بشاري

حين يبلغ الرجل ثمانين عامًا، لا يكون العمر عددًا يُحصى، بل يكون أثرًا يُقاس؛ إذ الأعمار عند أهل البصيرة لا تُوزن بالأيام، وإنما تُوزن بما أُودِع فيها من علمٍ نافع، وبما أُفيض منها من حكمةٍ راشدة، وبما استقام بها ميزان القلوب حين اضطربت الموازين. وهكذا يُستحضَر الإمام أحمد الطيب في ذكرى مولده، لا بوصفه صاحب منصبٍ جليل فحسب، بل بوصفه شاهدًا على معنى العالم حين يكون العلم أمانة، والحكمة عبادة، والوئام مقصدًا شرعيًا وأخلاقيًا معًا.

لقد تدرّج هذا الإمام في مدارج المعرفة تدرّج من أيقن أن العلم لا يُؤخذ دفعةً، ولا يُنال استعجالًا، وإنما يُكتسب بالصبر والملازمة، وبالتمييز الدقيق بين ما يُحفظ وما يُفهم، وبين ما يُروى وما يُعاش. فكان اشتغاله بالعلوم العقلية والشرعية اشتغال من يبحث عن الانسجام لا عن الغلبة، وعن الجمع لا عن التشقيق، وعن المعنى الذي يَصلُح به الإنسان قبل أن يَصلُح به الجدل. ومن هنا جاءت كتاباته ومواقفه مشدودةً إلى أصلٍ واحد: أن العقل إذا انفصل عن الأخلاق أفسد، وأن النص إذا قُطِع عن مقاصده جُمِّد، وأن الدين إذا استُعمل في الخصومة ضاع أثره في الهداية.

وإذا نظر الناظر في منهجه التفكيري، وجده قائمًا على ميزانٍ دقيق: لا يُسلّم العقل قياده حتى يتوهّم الاستغناء عن الوحي، ولا يحبس الوحي في صورٍ تاريخية توهم أن الزمان قد توقّف. بل كان همه الدائم أن يُعاد ترتيب العلاقة بين الفهم والنص، وبين الحكم وغايته، بحيث يبقى الدين حافظًا لمعنى الإنسان، لا مُصادِمًا له ولا مُستَخدَمًا ضده. ولهذا كان شديد التحذير من فقهٍ ينشغل بالصور ويغفل عن المقاصد، كما كان شديد النقد لعقلٍ حديث يزعم التحرر وهو يُفرغ الإنسان من روحه ومعناه.

أما الحكمة، فهي في مسيرته ليست خُلقًا زائدًا على العلم، بل هي ثمرة العلم إذا صَفَا، ونتيجته إذا استقرّ في موضعه الصحيح. وتجلّت هذه الحكمة بأبهى صورها في تعاطيه مع شأن الوئام الوطني، حيث أدرك أن الاجتماع الإنساني لا يقوم على محو الفوارق، ولا على إذكاء الخصومات، بل على إقامة العدل المعنوي الذي يجعل الاختلاف طريقًا للتعارف لا ذريعةً للتنازع. فكان خطابه في هذا الباب خطاب من يرى الوطن أمانة، والسلم ضرورة، والعيش المشترك تكليفًا أخلاقيًا قبل أن يكون ترتيبًا سياسيًا.

ولم يكن دفاعه عن السلم رفضًا للحزم، ولا دعوته إلى التعايش تفريطًا في الثوابت، بل كان ضبطًا للميزان حتى لا تميل الكفة إلى إفراطٍ يُفسد، ولا إلى تفريطٍ يُضيّع. ولذلك وقف موقفًا صريحًا من العنف حين يُلبس لبوس الدين، كما وقف موقفًا واضحًا من محاولات تفريغ الدين من محتواه القيمي بحجة الحداثة أو التقدم. وفي هذا التوازن الدقيق تظهر الحكمة بوصفها معرفةً بمواقع الأقدام، لا مجرد حسن نية أو خطاب مُلطّف.

ويمتد هذا المنهج إلى حضوره في ساحة الحوار الإنساني الواسع، حيث لم يرَ الحوار ترفًا فكريًا ولا مجاملة دبلوماسية، بل رآه واجبًا تمليه كرامة الإنسان، وحاجةً يفرضها عالم تتسع فيه أسباب القطيعة ويضيق فيه أفق المعنى. فكان حضوره في هذه الساحات حضور من يحمل يقينًا هادئًا: أن الحق لا يخاف من اللقاء، وأن الإيمان الراسخ لا يضعف بالحوار، بل يزداد صفاءً إذا حُسن عرضه واستقام قصده.

ثمانون عامًا مضت، وإذا الحصيلة عقلٌ لم يُستدرَج إلى الصخب، ولسانٌ لم يُسخَّر للفرقة، وعلمٌ لم يُتّخذ سُلّمًا للمكانة، بل جُعل جسـرًا للطمأنينة. وفي زمنٍ كَثُر فيه الادعاء وقلّ فيه الرسوخ، يظل هذا النموذج شاهدًا على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تهذيب الفهم قبل تغيير الواقع، ومن إصلاح القلب قبل تدبير الخلاف.

وفي ختام هذه الذكرى، لا يليق المقام إلا بدعاءٍ يخرج من باب الوفاء:
اللهم احفظ الإمام الطيب بعين رعايتك، وأمدّ في عمره على طاعتك، واجعل علمه نورًا يهدي، وحكمته سكينةً تجمع، واكتب له أجر ما أصلح، وما هدّأ، وما دلّ عليه من سبيل السلام. اللهم اجعله من الذين إذا طال بهم العمر حَسُن عملهم، وإذا نُظر في أثرهم بقي ذكرهم شاهدًا بالخير، إنك وليّ ذلك والقادر عليه.