في ظل تصاعد التوترات الدولية واتساع نطاق الصراع على النفوذ والمصالح الاستراتيجية بين القوى الكبرى، بعدما اتجهت الولايات المتحدة نحو تصعيد غير مسبوق ضد فنزويلا ، في خطوة اعتبرها خبراء القانون والعلاقات الدولية امتدادًا لسياسة ممنهجة تستهدف إعادة فرض الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية والسيطرة على ثرواتها الطبيعية وعلى رأسها الاحتياطات النفطية الضخمة التي تعد الأكبر عالميًا.
وتحولت حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى نقطة مفصلية كشفت وفق تقديرات عديدة عن انتقال الأزمة من إطارها السياسي الداخلي إلى ساحة صراع دولي مفتوح، خاصة مع ما تثيره من تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للتحرك الأمريكي، وما إذا كانت هذه الخطوة تمهد لمرحلة أشد تعقيدًا تشمل إعادة تشكيل خارطة السلطة داخل فنزويلا وفرض معادلات جديدة على القارة بأكملها، وفق رؤية تعيد إحياء عقيدة الهيمنة الأمريكية التاريخية في المنطقة.
وفي المقابل، برزت على الساحة مؤشرات متزايدة على احتمالات دخول أطراف دولية كبرى على خط الأزمة، وفي مقدمتها روسيا والصين وإيران، لاسيما في ظل المصالح الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية التي تربط هذه الدول بكاراكاس، وهو ما دفع عددًا من الخبراء للتحذير من أن المشهد الحالي قد يتطور إلى مواجهة دولية أوسع تتجاوز حدود فنزويلا، وتفتح الباب أمام واحدة من أخطر الأزمات منذ نهاية الحرب الباردة.
أستاذ قناون دولي: أمريكا تستهدف نفط فنزويلا والتدخل الروسي الصيني الإيراني وارد
كشف الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، عن الأهداف الحقيقية للعدوان الأمريكي على فنزويلا والسيناريوهات المتوقعة، مؤكداً أن اعتقال مادورو مجرد خطوة أولى في مخطط أكبر يستهدف إعادة رسم خريطة أمريكا اللاتينية بالكامل.
وقال الدكتور مهران لصدى البلد أن أمريكا تريد تحقيق أربعة أهداف استراتيجية: أولاً، السيطرة الكاملة على أكبر احتياطي نفطي في العالم بأكثر من 300 مليار برميل، وترامب اعترف صراحةً أن هدفه الثروات الطبيعية الفنزويلية، ثانياً، تنصيب حكومة عميلة موالية لواشنطن تُنهي التحالفات الفنزويلية مع روسيا والصين وإيران.
وأضاف: إرسال رسالة ترهيب لكل دول أمريكا اللاتينية: من يرفض الخضوع سيلقى مصير مادورو، رابعاً، استعادة الهيمنة الكاملة على القارة الأمريكية تطبيقاً لعقيدة مونرو الاستعمارية القديمة التي تعتبر الأمريكيتين ملكاً خاصاً لواشنطن.
وحدد مهران ثلاثة سيناريوهات محتملة قائلا: السيناريو الأول: الاحتلال الكامل - أمريكا تكمل غزوها العسكري حتى تسقط كاراكاس، وتنصّب حكومة عميلة برئاسة إدموندو غونزاليس أو ماريا ماتشادو، وتوقّع عقوداً مجحفة لنهب النفط الفنزويلي، وهذا السيناريو الأرجح في ظل صمت دولي مخزٍ.
ونوه بأن السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة - المقاومة الفنزويلية بدعم روسي وصيني وإيراني تحوّل فنزويلا إلى مستنقع أمريكي جديد كأفغانستان، وترامب يواجه ضغوطاً داخلية لوقف الحرب بعد سقوط جنود أمريكيين، السيناريو الثالث: مواجهة دولية مباشرة - روسيا أو الصين ترسل قوات عسكرية لفنزويلا، والعالم يدخل في أزمة تشبه أزمة الصواريخ الكوبية 1962، وهذا السيناريو الأخطر لأنه قد يتطور لحرب عالمية.
وحول احتمالات التدخل الدولي، أكد أستاذ القانون الدولي أن التدخل الروسي الصيني الإيراني ليس مستبعداً بل متوقع جداً، فروسيا لديها استثمارات ضخمة في فنزويلا وقاعدة عسكرية، والصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي باستثمارات تتجاوز 60 مليار دولار، وإيران ترى في فنزويلا حليفاً استراتيجياً في الفناء الأمريكي.
وأضاف أن موسكو وبكين حذرتا صراحةً من عواقب وخيمة، وطهران أعلنت استعدادها لنقل المواجهة مع واشنطن إلى أمريكا اللاتينية، والتحركات العسكرية الروسية قرب فنزويلا بدأت فعلياً، فالمواجهة العسكرية الدولية المباشرة باتت أقرب من أي وقت مضى.
وحول الإطار القانوني، قال الدكتور مهران أنه من منظور القانون الدولي، أي تدخل روسي أو صيني أو إيراني لدعم فنزويلا سيكون مشروعاً تماماً بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمنح الدول المعتدى عليها حق طلب المساعدة من دول صديقة، فالحكومة الفنزويلية الشرعية برئاسة ديلسي رودريغيز لها الحق القانوني الكامل في طلب تدخل عسكري من حلفائها لصد العدوان الأمريكي.
وحذر مهران قائلا: العالم يقف على حافة حرب كبرى، وفنزويلا قد تكون شرارة المواجهة الحتمية بين المعسكر الغربي والشرقي، والأيام القادمة ستحدد مصير النظام الدولي برمته.