لم تكن الساعات الأولى بعد منتصف الليل عادية في قرية الرملة التابعة لمركز بنها، فداخل منزل تحت الإنشاء، كانت تتكشف خيوط جريمة أنهت حياة طالب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره.
التحقيقات كشفت أن المجني عليه، محمد ي. م. ن، طالب بالثانوية العامة ومقيم بقرية ميت العطار، سقط ضحية خلافات سابقة مع صديقه، الذي استدرجه إلى مكان الجريمة وأنهى حياته بطعنة نافذة في الرقبة.
ومع تصاعد خطورة البلاغ، كثفت الأجهزة الأمنية تحرياتها، وتمكنت عقب تقنين الإجراءات من تحديد هوية المتهم وضبطه، إلى جانب السلاح الأبيض المستخدم في الواقعة، في محاولة لكشف ملابسات الجريمة كاملة ووضع المتهم أمام العدالة.
في هذه السطور، نكمل رواية الأب ياسر نجيب لـ صدي البلد، كما حكاها بمرارة، دون مبالغة أو تزييف، فقط حكاية إنسانية لأب خرج في الظلام يبحث عن ابنه، مدفوعًا بالخوف، ومحكومًا بالحكمة، ومقيدًا بالرغبة في ألا تتحول المأساة إلى فضيحة أو صدام.
نصف ساعة تتحول إلى قلق صامت
يقول ياسر نجيب إن نصف الساعة الأولى مرت ببطء شديد. محمد لم يعد بعد، لكن الأب حاول إقناع نفسه بأن الأمر بسيط. دقائق إضافية لا تعني شيئًا، خاصة أن الحديث كان ودّيًا، وأن محمد وعد بالعودة سريعًا.
لكن الأم لم تكن مطمئنة. بدأت تكرر:
«يا ياسر، محمد اتأخر».
كان رد الأب دائمًا محاولة للتهدئة: «معلش، اصبري شوية». لم يكن يريد النزول فورًا، لا لأنه غير قلق، بل لأنه لا يريد أن يحرج ابنه في الشارع، أو يرفع صوته في ليل القرية الهادئ، فيتحول الأمر إلى مشكلة أكبر من حجمه.
ساعة إلا ربع… والقلق يبدأ في الصعود
مرت الدقائق، وتحول نصف الساعة إلى ساعة إلا ربع. هنا، بدأ الإحساس يتغير. لم يعد التأخر طبيعيًا، خاصة في هذا البرد القارس، وفي ساعة متأخرة من الليل.
يقول الأب: «حسيت إن مراتي متضايقة قوي، واحنا كنا عايزين ننام، لكن القلق بقى مسيطر».
قرر في تلك اللحظة أن ينزل، ولو نظرة سريعة، فقط ليطمئن. ارتدى عباءة فوق ملابسه، وخرج بهدوء، تاركًا هاتفه في البيت، على أمل أن يعود سريعًا.
بحث في الظلام… طريق بلا ملامح
خرج الأب إلى طريق المواصلات، ينظر يمينًا ويسارًا، يتحسس الطريق بعينيه، يبحث عن أي أثر لابنه. لم يكن هناك أحد. لا محمد، ولا يوسف، ولا حتى حركة لافتة.
ذهب إلى أول موقف، ثم آخر موقف، ثم الطريق المؤدي إلى قرية أخرى، لكنه لم يجد شيئًا. يقول: «الواد مش موجود، ما ينفعش يكون مشي الطريق ده».
عاد إلى البيت مرة أخرى، محاولًا إقناع نفسه أن محمد ربما عاد في غيابه، لكنه فوجئ بالحقيقة القاسية:
محمد لم يعد.
الساعة الثانية والنصف.. الهاتف المغلق
كانت الساعة تقترب من الثانية والنصف أو الثالثة فجرًا. عاد الأب إلى البيت ليجد زوجته في حالة قلق شديد. أول ما قالته: «محمد مجاش».
هنا طلب الهاتف. حاول الاتصال بابنه.
النتيجة: «مغلق أو غير متاح».
يصف الأب تلك اللحظة قائلًا: «يا نهار أبيض… إزاي تقفل تليفونك؟». لم يعد القلق مجرد إحساس، بل تحول إلى خوف حقيقي.
الأم بدأت تبكي، وتتحرك بعصبية في الصالة، والبيت تحول إلى مساحة مشحونة بالتوتر. الأب حاول التماسك، لكنه لم يعد قادرًا على الانتظار.
قرار الخروج.. البحث يتحول إلى سباق مع الزمن
غير ملابسه بسرعة، ارتدى ملابس الخروج، أخذ هاتفه، ومفتاح سيارته، وخرج يبحث عن محمد في كل اتجاه. كان معه رقم والد يوسف السنوسي، فحاول الاتصال به أكثر من مرة، لكنه فوجئ بأن الهاتف مغلق أو غير متاح.
«معايا رقم أبوه… طب أعمل إيه؟»، يتساءل الأب.
عاد إلى البيت مرة أخرى، ليجد زوجته في حالة انهيار. لم يكن هناك مجال للانتظار أكثر.
الفجر يقترب.. والرحلة المشتركة
عند الرابعة والنصف فجرًا، قرر الأب أن يخرج مع زوجته. لم يعد قادرًا على تركها وحدها في هذا القلق. ركب الاثنان السيارة، وسارا في الطرق واحدة تلو الأخرى، يراقبان كل شبر، وكل ظل، وكل حركة.
كان الطريق صامتًا، والقلوب مثقلة بالخوف. لم يكن بينهما حديث، فقط نظرات متبادلة تحمل السؤال ذاته: أين محمد؟
العزبة.. أول مواجهة مع البرود
توجه الأب إلى عزبة يوسف، مكان سكنه. وصل في حدود الخامسة والربع صباحًا. الوقت كان حساسًا، لا هو ليل كامل ولا صباح مكتمل. تساءل الأب:
«أعمل إيه دلوقتي؟ أصحي الناس؟ شكلنا مش هيبقى حلو».
حاول في البداية البحث حول المنطقة، ربما يكون محمد مع أحد أصدقاء يوسف. ذهب إلى صديق اسمه معاذ، ثم آخر يُدعى عمر الجوهري. نادى بصوت منخفض، احترامًا للوقت، لكن لم يرد أحد.
ضاعت دقائق أخرى، والقلق يزداد.
الساعة السادسة إلا ربع… الحقيقة الصادمة
عند اقتراب الساعة من السادسة إلا ربع، قرر الأب أن يواجه الأمر مباشرة. توجه إلى بيت يوسف. وقبل أن ينادي، فوجئ بجد يوسف يقف في المدخل.
ألقى عليه التحية، وعرّف بنفسه، وشرح له الموقف بهدوء: «ابني خرج مع يوسف من الساعة 12 بالليل، ومن ساعتها مش عارف عنه حاجة، وبكلم أبوه من بدري والتليفون مقفول».
كانت الإجابة صادمة:
«يوسف مش في البيت».
سأل الأب: «مش بايت في البيت؟»
الإجابة: «أيوه».
أين الأب؟ سؤال بلا إجابة
طلب ياسر نجيب مقابلة والد يوسف. فجاء الرد: «نايم».
هنا انفجر الغضب المكبوت.
«يعني إيه نايم؟ ابنه مش في حضنه ومش مطمن عليه، والجو برد، وجاي له نوم؟».
أصر الأب على إيقاظه. وبعد لحظات، نزل محمود، والد يوسف. لم يكن يبدو كشخص استيقظ لتوه، لكن ياسر لم يشك وقتها، فكل تركيزه كان منصبًا على ابنه.
مواجهة مباشرة.. وعبارات باردة
سأله مباشرة:
«يوسف ابنك فين؟»
الرد: «مش في البيت».
زاد غضب الأب:
«ابنك عدى على ابني الساعة 12 وسحبه من قدام البيت… إزاي مش عارف؟».
لكن الرد ظل كما هو:
«ما أعرفش عنه حاجة».
اقتراح البحث المشترك… وانقسام الطريق
اقترح ياسر أن يبحثا معًا عن الولدين. عرض عليه أن يركب معه السيارة، لكن والد يوسف اقترح تقسيم البحث:
«إنت روح البندر (قسم الشرطة)، وأنا أروح المركز بالموتوسيكل».
وافق الأب، رغم إحساس داخلي بعدم الارتياح، وذهب بالفعل إلى قسم الشرطة في البندر، وسأل عن محمد ويوسف، لكن لم يكن هناك أي بلاغ أو معلومات.
المكالمة الفاصلة.. لحظة الاطمئنان المؤقت
وأثناء خروجه من القسم، رن هاتفه. كان المتصل محمود السنوسي.
«لقيتهم»، قالها ببساطة.
سأله ياسر بلهفة: «فين؟»
الرد: «في مركز شرطة بنها… كانوا متخانقين مع بعض».
في تلك اللحظة، شعر الأب براحة غامرة.
«ارتحت أول ما قال كده».
تخيل أن الأمر مجرد شجار بين شابين، سينتهي باعتذار، واحتواء، وعودة سريعة إلى البيت.
اطمئنان قبل العاصفة
هدأ الأب، وهدأت الأم. توقفت الدموع، وحل محلها شعور بالإرهاق، لكن مع اطمئنان نسبي.
«قلت خلاص… سهلة، آخد ابني بإيدي ونروح».
لم يكن يعلم أن هذا الاطمئنان ما هو إلا هدنة قصيرة، تسبق ما هو أقسى وأثقل.
هكذا انتهت هذه المرحلة من القصة، عند لحظة ظن فيها الأب أن كل شيء سيعود إلى طبيعته. لحظة أمل قصيرة، وراحة مؤقتة، قبل أن تتكشف فصول أخرى أكثر قسوة.