في ظل عالم يمر بمرحلة غير مسبوقة من السيولة السياسية وتراجع اليقين في العلاقات الدولية، عادت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند والصين، إضافة إلى لهجته الحادة تجاه الحلفاء الأوروبيين، لتسلط الضوء من جديد على أزمة عميقة تضرب جوهر النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
فهذه التصريحات، التي كسرت تقاليد دبلوماسية راسخة، لم تُقرأ فقط باعتبارها مواقف سياسية آنية، بل عدّت مؤشرات على تحول أوسع في الرؤية الأمريكية لإدارة النفوذ العالمي، قائمًا على منطق القوة والضغط المباشر بدلًا من الشراكة والالتزام بالقانون الدولي.
ومع تصاعد هذا الخطاب، تزايدت المخاوف من أن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة من الاضطراب، تتراجع فيها مكانة المؤسسات الدولية، ويعاد فيها تعريف مفاهيم السيادة والتحالفات، في وقت بات فيه حلف شمال الأطلسي نفسه محل تساؤل غير مسبوق.
وفي هذا المشهد المتشابك، تتقاطع التهديدات الأمريكية مع احتدام الصراع مع الصين، وتلقي بظلال ثقيلة على مستقبل الأمن العالمي، وسط تحذيرات من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى تفكك التحالفات الكبرى وفتح جبهات صراع جديدة خارج الإطار الروسي المعتاد.
هل يعود العالم إلى منطق القوة؟.. أستاذ قانون دولي: تهديدات ترامب لجرينلاند والصين تهدد بتفكك الناتو وفتح باب حرب عالمية
حذّر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، من أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن جرينلاند والصين وحلفاء واشنطن في أوروبا تمثل تهديدًا خطيرًا للنظام القانوني الدولي، وقد تقود إلى تفكك حلف شمال الأطلسي وفتح الباب أمام صراع عالمي جديد بعيدًا عن الساحة الروسية.
وأكد «مهران» في حديث خاص لـ«صدى البلد» أن التهديدات الأمريكية تجاه جرينلاند، التابعة للدنمارك العضو المؤسس في الناتو، تشكل انتهاكًا صارخًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، مشيرًا إلى أن استخدام التهديد أو القوة في العلاقات الدولية يتعارض تمامًا مع المادة الثانية من الميثاق الأممي.
الناتو أمام اختبار وجودي غير مسبوق
ولفت أستاذ القانون الدولي إلى أن هذه التصريحات تضع حلفاء أمريكا التقليديين في أوروبا أمام معضلة قانونية وسياسية غير مسبوقة، حيث يجدون أنفسهم مهددين من قبل الدولة التي يفترض أن تقود حلف الناتو، الذي تأسس أصلًا لحمايتهم، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى استمرار هذا الحلف في ظل تهديد القائد له لأعضائه.
وأوضح «مهران» أن التصعيد الأمريكي تجاه الصين، والحديث عن ضم أراضٍ بالقوة، يعيد إلى الأذهان سياسات ما قبل الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى كوارث إنسانية مروعة، مشددًا على أن القانون الدولي المعاصر بُني على أنقاض تلك الحروب لمنع تكرارها من خلال حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
صراع أمريكي-صيني بدلًا من المواجهة الروسية-الغربية
واعتبر عضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي أن هذا التصعيد قد يفتح الباب أمام حرب عالمية ثالثة، محورها الصراع الأمريكي-الصيني، ومعه انهيار التحالفات الأطلسية التقليدية، لافتًا إلى أن هذا السيناريو يختلف كليًا عن التوتر الروسي-الغربي ويحمل مخاطر أكبر بكثير، نظرًا لحجم الاقتصادات المتورطة والشبكة المعقدة من المصالح الدولية.
ونوّه «مهران» إلى أن المجتمع الدولي بحاجة ماسة إلى تفعيل آليات القانون الدولي، وخاصة دور المحاكم الدولية ومجلس الأمن، لوقف هذا الانحدار الخطير نحو فوضى دولية قد تعيد العالم إلى عصر القوة بدلًا من القانون، مشيرًا إلى أن صمت المؤسسات الدولية عن هذه التهديدات يمثل ضوءًا أخضر لانهيار النظام الدولي القائم منذ عام 1945.