قالت وزارة الأوقاف إن معجزة الإسراء والمعراج تُمثّل المحطة الفارقة في اختبار اليقين البشري، مؤكدة أنها لم تكن مجرد رحلة مكانية أو زمانية، بل كانت إعلانًا لسيادة «الغيب» على «المادة»، وتأسيسًا لمنطق «ما فوق العقل» لا «ما يصادم العقل».
وأضافت عبر منشور لها بالمنصة الإلكترونية، بمناسبة ليلة الإسراء والمعراج، أن المتأمل في صدور السور القرآنية يجد أن القرآن الكريم وضع أطرًا رئيسية لبناء الشخصية المؤمنة، تنطلق من التسليم بالمعجزة بوصفها جزءًا أصيلًا من المنظومة الغيبية، وأن الإيمان بها يُعد أساسًا لفهم العلاقة المتوازنة بين العقل والوحي.
وأوضحت أن الإطار الأول يتمثل في افتتاح القرآن الكريم بالحروف المقطعة {الم}، وهي عند جمهور المحققين من علماء التفسير إشارة إلى عجز العقل البشري عن الإحاطة بكل أسرار الوحي، وكونها من المتشابهات التي استأثر الله تعالى بعلمها، بما يُرسخ في نفس المؤمن مقام «التواضع المعرفي»، حيث يكون العقل أداة لفهم الخطاب لا ميزانًا لحقيقة الغيب.
وبيّنت الوزارة أن هذه الحروف التي أعجزت فصحاء العرب ببنيتها، يقابلها إعجاز الإسراء والمعراج الذي أعجز العقول بسرعته وخروجه عن المألوف، مؤكدة أن المعجزات التي تخرق العادة تهدف إلى نقل الإنسان من محدودية «عالم الشهادة» إلى رحابة «عالم الغيب»، ليوقن أن قدرة الخالق سبحانه وتعالى لا تُقاس بقوانين المخلوق.
وأشارت إلى أن الإطار الثاني يتمثل في قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه}، مؤكدة أن نفي الريب هنا ليس مجرد نفي للشك، بل تقرير لليقين المطلق في مصدر التلقي، وهو ما ظهر جليًا عند إخبار النبي صلى الله عليه وسلم قومه برحلة الإسراء والمعراج، حيث انقسم الناس بين من غلّب الريبة لتحكيم العقل المحدود، ومن غلّب اليقين لتحكيم الإيمان بمصدر الخبر.
وأوضحت الوزارة أن موقف سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه يُجسد هذا اليقين العملي، إذ لم يسأل عن كيفية الرحلة، وإنما سأل عن قائل الخبر، فقال كلمته الخالدة: «إن كان قال فقد صدق»، وهو التطبيق العملي لمعنى {لا ريب فيه}.
ولفتت إلى أن الإطار الثالث يتمثل في قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب}، حيث قدّم القرآن الإيمان بالغيب على سائر الأعمال، لأن المعجزة، وعلى رأسها الإسراء والمعراج، هي جوهر هذا الغيب، موضحة أن المعجزة فعل إلهي يخرق الأسباب لإثبات وجود «المُسبِّب»، وأن الإيمان بما فوق العقل لا يعني إلغاء العقل، بل رسم حدوده، كما قرر ذلك العلماء.
وأكدت وزارة الأوقاف أن إخضاع الإسراء والمعراج لقوانين الفيزياء البشرية يُعد خطأً منهجيًا، لأن الفاعل في هذه الرحلة هو الله سبحانه وتعالى، فإذا نُسب الفعل إلى القادر المطلق سقطت قوانين العجز البشري، مشيرة إلى ما ورد في السنة النبوية من إعداد رباني للنبي صلى الله عليه وسلم ليتحمل مشاهد الغيب، وهو ما يدل على أن الإيمان بالمعجزة يحتاج إلى وعاء قلبي قبل التصور العقلي.
وختمت الوزارة منشورها بالتأكيد على أن معجزة الإسراء والمعراج تُعلّم المؤمن أن الحقيقة الغيبية أوسع من الإدراك العقلي، وأن من آمن بأن الله خلق الكون من عدم لا يعجزه الإيمان بأن الله طوى لنبيه الزمان والمكان، مؤكدة أن المنهج القويم هو أن يقود العقل إلى باب الوحي، فإذا دخل الإنسان رحابه تلقّى بالتسليم واليقين، ليكون الإسراء والمعراج حجة على العقول وبشرى للقلوب وعنوانًا لإيمان الصادقين بالغيب.



