في تطور لافت يسلّط الضوء على تشابكات السياسة والاقتصاد والعقوبات الدولية، كشفت شبكة «سي إن إن» الأمريكية عن مسار غير تقليدي اتبعته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع عائدات بيع النفط الفنزويلي. فبدلاً من إيداع مئات الملايين من الدولارات في بنوك أمريكية أو تحويلها مباشرة إلى كاراكاس، جرى توجيه هذه الأموال إلى قطر، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وقانونية واقتصادية، وتفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن الشفافية والمآلات المستقبلية لهذه العائدات.
عائدات نفطية بمسار غير مباشر
بحسب التقرير، جمعت أول عملية بيع معلنة للنفط الفنزويلي نحو 500 مليون دولار، ووصفتها إدارة ترامب بأنها مجرد بداية لسلسلة صفقات قد تدر مليارات الدولارات لاحقًا. إلا أن المفاجأة لم تكن في حجم العائدات، بل في وجهتها؛ إذ أكد مسؤول سابق مطّلع على الملف أن الأموال أُودعت في قطر، وليس داخل النظام المصرفي الأمريكي أو في الحسابات الفنزويلية المباشرة.
عقوبات تعزل فنزويلا عن النظام المالي
تأتي هذه الخطوة في ظل خضوع فنزويلا لعقوبات غربية مشددة، أدت إلى عزلها فعليًا عن النظام المصرفي العالمي لسنوات. وعلى مدار العقود الماضية، استولت الحكومة الفنزويلية على أصول نفطية، ما دفع شركات طاقة أجنبية إلى المطالبة بتعويضات، وتحويل الملف إلى ساحة نزاع قانوني مفتوحة مع الدائنين الدوليين.
أوامر تنفيذية لحماية العائدات
في هذا السياق، شدد الرئيس ترامب على ضرورة أن تعود عائدات بيع النفط بالنفع المباشر على الشعب الفنزويلي، وليس على الدائنين أو الشركات الغربية التي تطالب بحقوق مالية. وأصدر أمرًا تنفيذيًا يمنع أي محاولات لفرض حجوزات أو استقطاعات أو أحكام قانونية تستهدف هذه الأموال، في محاولة لإبقائها بعيدة عن النزاعات القضائية المعقدة.
لماذا قطر؟
يرى مراقبون أن إيداع الأموال في حساب بقطر يُعد وسيلة فعالة لإبعادها عن متناول الدائنين الغربيين، كما يعكس دور الدوحة كوسيط تقليدي بين واشنطن وكاراكاس. ويشير خبراء إلى أن قطر لعبت هذا الدور حتى قبل التطورات الأخيرة المتعلقة بقيادة فنزويلا، ما يجعلها خيارًا “آمنًا” نسبيًا من منظور الإدارة الأمريكية.
مخاوف الشفافية و«الصندوق الأسود»
رغم ذلك، يثير هذا المسار مخاوف جدية تتعلق بالشفافية. فخبراء العلاقات الخارجية يحذرون من أن غياب خطة معلنة لإدارة هذه الأموال، وعدم وضوح الجهة المشرفة عليها، ومعايير مكافحة الفساد وغسل الأموال، قد يحول هذا الترتيب المالي إلى ما يشبه “صندوقًا أسود”، يصعب تتبع حركته أو مساءلة القائمين عليه.
بين الرغبة في ضمان وصول عائدات النفط إلى فنزويلا، ومحاولة تحصينها من الدائنين والنزاعات القانونية، تقف إدارة ترامب أمام معادلة معقدة. فاختيار قطر كوجهة للأموال قد يحقق أهدافًا سياسية قصيرة المدى، لكنه في المقابل يفتح نقاشًا واسعًا حول الشفافية والحوكمة المالية.