قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف عبر صفحته الرسمية على فيس بوك إن التوكُّل على الله يستلزم الثقة بالله؛ ثقْ في الله أكثر ممّا تثق بما في يدك. والثقة بالله والتوكُّل عليه يقتضيان التسليم لأمره؛ أي الرضا بفعل الله. وهذا الرضا يجعلك هادئَ النفس، ويجعلك تواجه الناس بقلبٍ مفتوح، وبصدرٍ رحب.
وتابع:علَّمنا مشايخُنا ـ رضي الله تعالى عنهم ـ ممَّن منَّ الله علينا بإدراكهم، أنّهم كانوا في حالة رضا وتسليم وتوكُّل على الله. فكان يأتي أحدهم ليشكو إليه ظلمه للناس ومعصيته؛ فلا يُعنِّفه، بل يرشده ماذا يفعل من غير محاسبة، ويقوم من عنده وقد هدأت نفسه، وفُتِحت له أبواب الرحمة. وقد يمنُّ الله سبحانه وتعالى عليه بالخير والهداية. وكان الشيخ يحفظ سرَّه فلا يفضحه، وإذا ذُكر عنده بسوءٍ لا يخوض فيه؛ لأنه من الممكن أن يكون الله قد هداه، فيتحول ذلك إلى غيبةٍ ونميمة.
لذلك كان أحدهم ـ من المشايخ ـ يرى نفسه أسوأَ الناس، ويقول: «أنا أسوأ الناس». وعندما يُقال له: والذي كان عندك الآن، الذي لم يترك معصيةً إلا ارتكبها؟ يقول: «قد يكون عند ربِّنا من كبار الأولياء! أنا لا أعرف! هل أنا الذي خلقته؟ أنا لا أعرف ما الذي حدث له. ولا أعرف ماذا يعمل الآن بعد أن خرج من عندي. ولا أعرف مكانته عند الله. يا ابني، هو أنا ربَّنا لكي أعرف الحكاية كلَّها؟».
فقيل له: أليس من واجبك أن تُنكر المعصية؟ فقال: «يا ابني، أنا أُنكر المعصية ليلَ نهار، ولكن أنا لا أحكم على أحد. فإذا قلتَ: سمعتُ؛ تكون كذّابًا. وإذا قلتَ: رأيتُ؛ تكون فاجرًا، لأنك لم تستر على أخيك. وإذا شاركته فأنت وهو سيّان؛ فلماذا أتيتَ لكي تذكره بسوء؟».
فكان مشايخُنا ـ رضي الله تعالى عنهم ـ يعلِّموننا بسلوكهم: «دعِ الخلقَ للخالق». ثم توكَّل على الله فتُسلِّم وتثق وترضى، فتهدأ نفسك؛ فتُعامل الخلق معاملةً هي أقرب ما تكون إلى باب الهداية.
رأينا في زماننا أحداثَ الأسنان، سفهاءَ الأحلام؛ يريد أحدهم أن يدخل بينك وبين جلدك، وينظر إليك بتكبُّرٍ وتعالٍ لأنه يرى نفسه أفضل منك. فمن وجهة نظره ـ القاصرة ـ أنه طائعٌ وأنت عاصٍ. وهذا هو الكِبر. وما دام الكِبر قد دخل قلبه فقد فسد، وإذا فسد القلب فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال سيد الخلق ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
إذًا ربُّنا ربُّ القلوب؛ فلماذا التدخل في خلق الله؟ «طوبَى لمن شغلَهُ عيبُهُ عن عيوبِ الناس». وانعكست الأحوال؛ فإذا بهؤلاء ـ والعياذ بالله ـ يشغلهم عيوبُ الناس عن عيوب أنفسهم. فاللهم سلِّم، سلِّم.



