شهدت صناعة النفط الكندية انتعاشًا وحققت مستويات إنتاج قياسية بفعل توسعها في الأسواق الآسيوية سعيًا لتقليل اعتمادها على المبيعات الأمريكية، متجاوزة بذلك مخاوف بعض المحللين من أن يؤدي تدفق النفط الفنزويلي إلى الأسواق العالمية إلى انخفاض الطلب على النفط الخام الكندي المشابه في خصائصه الثقيلة.
وأفادت صحيفة "فاينانشيال تايمز"، في تقرير موسع لها من كندا، أن الشركات النفطية المحلية تضخ كميات قياسية من النفط وتعزز عوائد المساهمين على الرغم من ضعف أسعار النفط العالمية.
ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن احتياطياتها المؤكدة على مدى عقود تجعلها في وضع جيد للاستفادة من تباطؤ جهود خفض انبعاثات الكربون في أسواق الطاقة العالمية.
لكن التوترات التجارية مع الولايات المتحدة- التي تفاقمت بتهديد الرئيس دونالد ترامب يوم السبت بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على جميع السلع الكندية- سرعت من جهود أوتاوا لتنويع أسواقها التصديرية.
زار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بكين هذا الشهر، حيث روج لـ"بناء شراكة استراتيجية جديدة" مع الصين، وفي كلمته في منتدى "دافوس" الأسبوع الماضي، حذر من "شرخ" في العلاقات عبر الأطلسي، وروج لكندا كقوة عظمى في مجال الطاقة. ومن المقرر أن يزور كارني الهند قريباً.
وبلغ إنتاج النفط الكندي مستوى قياسيًا قدره 5.19 مليون برميل يوميًا في الأشهر الستة الأولى من عام 2025، مرتفعاً من 5.13 مليون برميل يوميًا في عام 2024، وفق أرقام هيئة تنظيم الطاقة الكندية.
وزادت المبيعات إلى الصين بأكثر من أربعة أضعاف لتصل إلى 88.7 مليون برميل العام الماضي، حسب بيانات الشحن التي حللها "مجلس البلطيق والملاحة البحرية الدولية" أحد أكبر اتحادات الشحن البحري العالمي بعضوية 2100 كيان وشركة وهيئة متخصصة في أكثر من 120 دولة.
وفي المقابل انخفضت صادرات النفط الأمريكية إلى الصين بنسبة 61% في الفترة نفسها لتصل إلى 39 مليون برميل.
يأتي هذا الارتفاع بعد افتتاح خط أنابيب "ترانس ماونتن إكستنشن" في مايو 2024، الذي مكن من تدفق النفط الخام الكندي من حقول "ألبرتا" النفطية إلى الساحل الغربي للتصدير إلى آسيا.
ونقلت "فاينانشيال تايمز" عن الرئيس العالمي لقطاع الطاقة والصناعات المتنوعة في بورصة تورنتو، ديفيد تشيليش قوله: "إنه وقت ممتاز لقطاع الرمال النفطية الكندية. فنحن الآن نوصل نفطنا إلى الصين وكوريا الجنوبية والهند".
ويرى محللون أن الاضطرابات الجيوسياسية عززت مكانة مقاطعة ألبرتا كمورد مستقر للطاقة، وعززت في الوقت نفسه جدوى إنشاء خط أنابيب إضافي إلى الساحل الغربي لكندا لخدمة آسيا.
تقترب أسهم شركات إنتاج النفط الكندية من أعلى مستوياتها في عقد من الزمان. ففي ديسمبر، قدمت أكبر أربع شركات نفط كندية- "سنكور إنرجي"، و"كنديان ناتشرال ريسورز"، و"إمبريال أويل"، و"سينوفوس"- عروضا تقديمية متفائلة للمستثمرين، أوضحت فيها خططاً لإنفاق رأسمالي مشترك بقيمة 19.5 مليار دولار ولزيادة الإنتاج هذا العام.
تنتج كندا بشكل رئيسي نفطاً لزجاً عالي الكبريت، وهو مشابه لخام "ميري" الفنزويلي. هذا يجعلهما منافسين مباشرين للمصافي المتخصصة القادرة على معالجة إنتاجهم.
ويصدر الجزء الأكبر من النفط الكندي إلى الولايات المتحدة، حيث صمم ما يقارب من 70 في المائة من طاقة التكرير هناك لمعالجة أنواع النفط الثقيلة. وحتى الشهر الماضي، كانت كاراكاس تصدر معظم إنتاجها البالغ 900 ألف برميل يومياً إلى مصافي التكرير في الصين.
ولفتت الصحيفة إلى أن إطاحة الزعيم الفنزويلي، نيكولاس مادورو، هذا الشهر على يد الولايات المتحدة، تسببت في حدوث تراجع طفيف في أسعار أسهم المنتجين الكنديين وسط مخاوف من أن تُزاحم براميل النفط الفنزويلية نظيرتها الكندية في السوق الأمريكية. إلا أن الأسعار تعافت منذ ذلك الحين، إذ يتوقع محللون أن يكون أي ارتفاع في الصادرات الفنزويلية محدوداً على المدى القريب.
وتقدر شركة "إنفيروس"، للاستشارات في مجال الطاقة، أن فنزويلا قد تزيد إنتاجها بمقدار 500 ألف برميل يومياً بحلول عام 2035. وقال المحلل في "إنفيروس"، داين جريحوريس: "هذا يُعد عاملاً سلبياً طفيفًا للمنتجين الكنديين، ولكنه ليس كارثيا".
ووسط استمرار التوترات التجارية مع واشنطن، يكثف المنتجون والسياسيون الكنديون جهودهم لزيادة سعة خطوط الأنابيب إلى الساحل الغربي لكندا، بهدف توسيع الصادرات إلى آسيا ووجهات أخرى خارج الولايات المتحدة.
وكانت رئيسة وزراء مقاطعة ألبرتا، دانييل سميث، قد نشرت في مطلع يناير الجاري، على موقع "إكس"، أن هناك مقترحًا لإنشاء خط أنابيب إلى الساحل الشمالي الغربي لكولومبيا البريطانية سيُقدم بحلول يونيو "كحد أقصى"، على أمل الموافقة عليه في موعد أقصاه خريف هذا العام.
وقالت رئيسة "الرابطة الكندية لمنتجي البترول"، ليزا بايتون: "تتمتع كندا بميزة طبيعية في توريد النفط (والغاز الطبيعي المسال) إلى الأسواق الآسيوية، بفضل مسارات الشحن الأقصر والأسعار التنافسية".
ويقول محللون إن العمر الطويل لمشاريع حفر الرمال النفطية، الذي يتراوح عادةً بين 40 و80 عاماً، يغري بعض المستثمرين بالتحول من مشروعات النفط الصخري الأمريكي إلى مواقع المنتجين الكنديين.
وبعد أكثر من عقد من التوسع المتسارع، تباطأ نمو صناعة النفط الصخري الأمريكية العام الماضي نتيجة انخفاض أسعار النفط بنحو 20% وتراجع فرص الحفر الواعدة.
قد تستغرق مشاريع الرمال النفطية الكندية أكثر من عقد من الزمن لتطويرها، وتتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة في البداية، لكنها توفر عقوداً من الإنتاج المستقر طويل الأجل عند بدء تشغيلها.
وقال كول سميد، المدير التنفيذي لشركة "سميد كابيتال مانجمنت"، وهي شركة استثمارية تمتلك حصصاً في "سينوفوس"، و"إمبريال أويل"، و"ستراثكونا"، و"تاماراك فالي إنرجي": "إننا نعيش في عالم ما بعد التكسير الهيدروليكي.ُ ويثمن المستثمرون الآن أصول النفط طويلة الأجل".
من جهتها، قالت مديرة قسم الطاقة والموارد الطبيعية والبيئة في "معهد ماكدونالد-لورييه" في أوتاوا، هيذر إكسنر-بيرو، إن كندا تُعد خياراً منخفض المخاطر لمشتري النفط في عالم يزداد اضطراباً.
وأضافت: "يتمتع المنتجون الكنديون بسمعة طيبة من حيث الموثوقية. أما فنزويلا، فلا تتمتع بذلك".