استضافت مدينة الإسكندرية بمصر ورشة عمل إقليمية لبناء القدرات حول "تقييم استراتيجيات الإدارة، وذلك في خطوة هامة نحو تعزيز الإدارة المستدامة للموارد البحرية.
جمعت ورشة العمل أكثر من 40 مشاركاً من العلماء ومديري مصايد الأسماك وأصحاب المصلحة من ثماني دول متوسطية تشمل: مصر، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، سوريا، لبنان، تركيا، فلسطين بهدف توحيد الجهود الإقليمية في إدارة المخزونات السمكية المشتركة عبر استخدام أحدث أساليب المحاكاة والاختبار العلمي.
تم تنظيم هذا الحدث من قبل مؤسسة المحيط (TOF) وصندوق بيو الخيري (Pew Trusts)، بدعم حيوي من مشروع "تونا البحار المشتركة" التابع لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) والهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (GFCM)، والمساعدة الفنية للجنة الدولية للحفاظ على أسماك التونة في الأطلنطي (ICCAT).
وأكد اللواء الحسين فرحات، المدير التنفيذي لجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية (LFRPDA)، حيث أكد على التزام مصر بالدبلوماسية العلمية على أهمية التحول في طريقة إدارة بحارنا؛ فمن خلال اعتماد تقييم استراتيجيات الإدارة (MSE)، ننتقل من الإدارة القائمة على رد الفعل إلى نهج استباقي قائم على الأدلة العلمية، مما يضمن ازدهار مجتمعات الصيد لدينا مع الوفاء بالتزاماتنا الدولية تجاه المنظمات الإقليمية والدولية خاصة منظمتي GFCM وICCAT."
بدأت ورشة العمل بكلمات افتتاحية كان أولها كلمة الحكومة المصرية التي جاءت مؤكدة على أن مصر تعد دائماً بيتاً ومضيفاً للمبادرات التي تجمع الأشقاء في دول المتوسط حيث من خلال استضافة هذه الورشة، أكدت مصر على دورها في تعزيز الاستقرار الإقليمي والأمن الغذائي من خلال التميز العلمي المشترك، فالبحر المتوسط ليس مجرد مسطح مائي، بل هو شريان حياة مشترك ومحرك اقتصادي لدولنا. ومع ذلك، فإن تعقيدات التحديات البحرية اليوم تحتم علينا تجاوز الإدارة التقليدية وتبني حوكمة قائمة على أحدث الأسس العلمية.
إن هذه الورشة هي شهادة على قوة التكامل الدولي كما أن محور تركيزنا—تقييم استراتيجيات الإدارة (MSE)—هو المعيار الذهبي للمصايد الحديثة؛ حيث يعمل "كمختبر افتراضي" يتيح لنا محاكاة واختبار سيناريوهات إدارية متنوعة قبل تنفيذها. ومن خلال اعتماد هذا النهج، فإننا ننتقل من الإدارة القائمة على رد الفعل إلى الإشراف الاستباقي، مما يضمن أن كل قرار يتخذ—من شواطئ المغرب إلى سواحل تركيا—مدعوماً بأدلة علمية قوية لا تقبل التأويل.
كما ألقى الدكتور أحمد المزروعي- مسؤول مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية بالمكتب الإقليمي لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) للشرق الأدنى كلمة أشاد فيها بروح التعاون بين المشاركين، مشيراً إلى أن التحضيرات المسبقة عبر دورات التعلم الإلكتروني للمنظمة قد ساهمت في إعداد الكوادر لتعظيم المخرجات التقنية للورشة. وأضاف أن تعزيز قدراتنا في هذا المجال ليس مجرد ترف تقني، بل هو ضرورة حتمية لضمان أن تكون قراراتنا المتعلقة بالمصايد مبنية على أسس علمية رصينة، وقابلة للتنبؤ، والأهم من ذلك، أن تكون مرنة وصامدة في وجه عدم اليقين والمتغيرات البيئية. إن هدفنا النهائي هو الوصول إلى مخزونات سمكية أكثر صحة، تضمن فوائد اقتصادية واجتماعية مستقرة وطويلة الأمد لمجتمعاتنا الساحلية.
إن المصايد المستدامة تقع في قلب مهمة منظمة الأغذية والزراعة لتحقيق هدف "القضاء على الجوع"، وهي حجر الزاوية في استراتيجية "التحول الأزرق" (Blue Transformation) التي تتبناها المنظمة حيث يهدف هذا التحول إلى إطلاق العنان للإمكانات الكامنة في النظم الغذائية المائية لتأمين الغذاء لسكان العالم المتزايدين، ودعم سبل العيش، وتقوية الاقتصادات المحلية، وبناء القدرة على الصمود في مواجهة التحديات المناخية وأكد المزروعي في ختام كلمته على التزام منظمة (FAO) التزاماً راسخاً بدعم أعضائها بحلول عملية وعلمية تضمن استدامة المصايد وحماية النظم البيئية البحرية. وتجسد هذه الورشة روح التعاون الدولي، كما تقدم بالشكر لجميع القائمين على استضافة وتنظيم هذا الحدث الهام.
شهدت ورشة العمل في يوميها الثاني والثالث تقسيماً تخصصياً مكثفاً، حيث تم فصل المشاركين إلى مسارين متوازيين لضمان تلبية الاحتياجات الفنية للعلماء والاحتياجات الاستراتيجية للمديرين، مع الحفاظ على قنوات اتصال بين الطرفين لمحاكاة الواقع العملي في المنظمات الدولية.
ركزت جلسات العلماء على الجوانب التقنية والنمذجة الرياضية، وشاركت فيها نخبة من خبراء النمذجة وتضمنت محاضرات تخصصية تناولت كيفية بناء "نماذج التشغيل" (Operating Models) التي تحاكي حالة المخزون السمكي، وكيفية إدراج "عدم اليقين" (Uncertainty) في البيانات العلمية كما تضمنت جلسات تطبيقية مكثفة كما قاموا بتصميم "قواعد التحكم في الحصاد" (Harvest Control Rules) واختبار كفاءتها من خلال المحاكاة الحاسوبية قبل اقتراحها للمديرين، بينما ركزت جلسات المديرين وممثلي الدول في المنظمات الدولية على الجوانب الاستراتيجية وصناعة القرار حيث تم تدريبهم على تحديد الأهداف الإدارية وكيفية قراءة "خرائط الأداء" والرسوم البيانية المعقدة التي ينتجها العلماء، لاتخاذ قرارات مبنية على المفاضلة (Trade-offs) بين الأهداف المختلفة.
خلال الورشة طور المشاركون من شمال إفريقيا والشرق الأدنى وتركيا "لغة إدارية مشتركة"، وهي ضرورة قصوى للمفاوضات القادمة داخل أروقة الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (GFCM) واللجنة الدولية للحفاظ على أسماك التونة في الأطلنطي (ICCAT) كما ساهمت الورشة بشكل مباشر في تعزيز قدرة الدول الأعضاء على تلبية متطلبات خرائط طريق (MSE) الدولية، مما يضمن صوتاً إقليمياً مدعوماً بأدلة علمية صارمة.
إن نجاح هذه الورشة يعد شهادة على التنسيق المثمر بين فريق العمل المصري والشركاء الدوليين. ومع استمرار الجلسات، يظل التركيز منصباً على خلق "لغة علمية مشتركة" لمصايد الأسماك في جميع أنحاء البحر المتوسط، لضمان أن تترجم مخرجات اجتماع الإسكندرية إلى تنمية مستدامة وبحار صحية للأجيال القادمة.
وفي ختام أعمال الورشة فقد سادت أجواء من الرضا التام والتفاؤل المتجدد خلال الجلسة الختامية وأعرب المشاركون عن امتنانهم العميق لجودة التدريب وبيئة العمل التعاونية التي وفرتها مدينة الإسكندرية وأشاد الحاضرون بدور دورات التعلم الإلكتروني التابعة لمنظمة FAO وبالجلسات المتخصصة التي فصلت بين مسار العلماء ومسار المديرين، مؤكدين أنهم يشعرون الآن بالجاهزية لتحويل سياسات المصايد الوطنية في بلدانهم وبعيداً عن المكاسب الفنية، فقد نجحت الورشة في بناء روابط مهنية دائمة بين الزملاء من تسع دول مختلفة، مما يعزز مكانة المتوسط كمنطقة "اقتصاد أزرق" موحدة.
وفي هذا السياق، توجه المشاركون والمنظمون بخالص الشكر والتقدير إلى السيد اللواء الحسين فرحات، المدير التنفيذي للجهاز ممثلا للحكومة المصرية، على دعمه اللامحدود ورؤيته الثاقبة التي كانت حجر الزاوية في إنجاح هذا الحدث الإقليمي. وقد تم التأكيد على أن توجيهات سيادته بتقديم كافة التسهيلات واستضافة هذه الخبرات الدولية تعكس إيمان القيادة المصرية بأهمية البحث العلمي في تحقيق التنمية المستدامة، معربين عن تطلعهم لمواصلة هذا النهج ودعم سيادته لعقد المزيد من هذه الورش التخصصية التي ترفع كفاءة الكوادر الوطنية والإقليمية.
ومع مغادرة الوفود لمدينة الإسكندرية، يحمل كل مشارك معه مهارات وأدوات تقنية متطورة، ليعود إلى بلده ليس فقط كخبير، بل بمثابة "منارة علمية" تضيء مسارات الإدارة الرشيدة في وطنه. إن مخرجات هذا اللقاء ستظل دافعاً قوياً يقود منطقة المتوسط نحو مستقبل مستدام، وقابل للتنبؤ، ومزدهر لجميع مجتمعات الصيد التي نتشرف بخدمتها.