قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: عالم على الحافة

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

الأعين متربصة شاخصة والأيدي على الزناد .. انظر حولك تري ترامب بعد اختطاف رئيس فنزويلا لمحاكمته على طريقة صدام، شاخص البصر تجاه جرينلاند وكندا، واليد على الزناد تهدد وتنتظر رد الفعل..
والصين بعد أن حصلت على الضوء الأخضر، تحاصر تايوان بعشرات الطائرات والسفن فى انتظار اللحظة المواتية للانقضاض.

حاملات الطائرات الأمريكية تتوجه بدانات المدافع وأرصفة الطائرات المقاتلة صوب إيران، بينما الأخيرة أخفت ألف صاروخ باليستي فى بطون الجبال مصوبة لإسرائيل وبلدان أخري فى انتظار الرصاصة الأولي التي ستفتح أبواب الجحيم..

أوكرانيا على وشك أن تبتلع وتنسحق تحت هجمة توشك أن تجتاح أوروبا وقد فقد الناتو أكبر حلفائه؛ أمريكا. وباتت أوروبا العجوز بمفردها فى مواجهة روسيا. كخيل الحكومة ينتظر رصاصة الرحمة!
فى خضم تلك المعمعة التي يساق لها العالم منذ عامين كاملين أو أكثر، خرج وزير الحرب الأمريكي بيت هيغست ليعلنها صريحة أن النظام العالمي كما عرفناه منذ انتهاء الحرب العالمية قد مات إكلينيكياً؛ عن عمر لم يزد عن ثمانين عاماً.. إنها لعنة العقد الثامن تصيب النظام العالمي.

فمن ستدور عليه الدائرة بعد انهيار البناء الرمزي المعبر عن استقرار العالم؟ وإلى أين نذهب وقد بات الجميع على الحافة مدفوعين بقوي قاهرة غامضة تسوق العالم نحو المجهول؟!
انتحـ.ـار أم قـ.ـتل عمد؟
فوجئ الناس بتصريحات زعماء العالم بعد مؤتمر دافوس أن النظام العالَمي لم يعد موثوقاً ولا فاعلاً فى تحقيق الاستقرار المنشود لدول العالَم. ثم جاء التصريح الأقوي والأشد صراحة وحسماً على لسان وزير الحرب الأمريكي يرسم خارطة النظام العالمي القادم؛ وفق استراتيجية أمريكا الجديدة.. خارطة تتقاسمها أربع قوي متناحرة: أمريكا زعيمة العالم الغربي، والصين زعيمة جنوب الشرق الأدني، وروسيا زعيمة شمال المشرق، والاتحاد الأوروبي، العجوز المريض، يوشك أن ينحل ويتفكك ويترك لمصيره الغامض!

نحن أمام لحظات تاريخية مصيرية فارقة؛ حيث منطق القوة هو السائد؛ وحيث يعاد رسم خارطة التحالفات على أساس منظومة الغاب التي أسس لها تصريح وزير الحرب الأمريكي.

إن سياسة أمريكا الجديدة لا تعتبر الصين عدوها الوجودى؛ وإنما هي مجرد منافس اقتصادي؛ وعليه فإن أمريكا لن تغامر بخوض الحرب ضد الصين، فقط ضد الضعفاء الأثرياء؛ لأنهم أسهل قنصاً وأوفر تكلفة! إنه منطق إمبريالي يستدعي قوانين القرصنة والنهب المنظم.. فكما نشأت أمريكا على رفات ملايين الهنود الحمر، فليس لديها مانع أن تعيد بناء نفسها على رفات ملايين الضحايا الجدد تحت شعار: "أمريكا أولاً" ومن بعدها الطوفان!

لقد اجتمع زعماء العالم فى دافوس فقالوا كلمتهم: أن النظام العالمي لم يعد إلا مجرد مبانٍ وهياكل آيلة للسقوط مع أول هبة ريح عنيفة، فهل انتحر فجأة؟ أم أنه تعرض لقتل ممنهج بطيء على مدار سنوات سقطت منظومة الصحة العالمية فى اختبار جائحة كورونا، ثم تلتها منظومة العدل العالمية فى اختبار غزة، وها هي منظومة الأمن العالمي تسقط فى اختبار فنزويلا.. والأعين كلها شاخصة نحو مستقبل قريب ينذر بما هو أسوأ..
الغنيمة السوداء
التاريخ يعيد نفسه.. وسوف تجد إفريقيا نفسها فى أتون هذا الصراع مجبرة..
عندما يعاد تقسيم الأرض، ويلتفت الأربعة الكبار حولهم فلا يجدون أسهل ولا أثري ولا أخصب من القارة السمراء ليعيدوا اقتسامها من جديد.. إنها قارة مهضومة سيئة الحظ، لديها اتحاد إفريقي منقسم على ذاته، ولديها ثروات كلها فى أيدي الدول الصناعية الكبرى، ولديها شعوب مسحوقة منساقة إلى مصيرها المظلم فى استسلام ويأس.

ولو أدركت إفريقيا أهمية اللحظة الفارقة فلسوف تسعي لتغدو القوة الخامسة التي تعيد التوازن وتدفع عن نفسها خطراً وجودياً محدقاً، وبدلاً من أن يعاد تقسيمها على أساس خارطة إمبريالية جشعة جديدة، تعيد هي حشد نفسها فى تحالف عسكري واقتصادي يضم أقوي دولها فى تكتل واحد يواجه المنعطف التاريخي القادم.

التكتلات الكبرى السابقة تنحل وتنهدم واحداً بعد الآخر مجموعة العشرين، الدول السبع، البريكس؛ كلها مهددة بالتفكك بعد أن تضاربت المصالح وأعيد تشكيل المنظومة العالمية على أسس جديدة واستراتيجيات مغايرة لما عهدناه. ولا بد من تكتلات جديدة تقام على أساس مختلف وفكر يستشرف المستقبل ويحتشد له.

هل تستطيع إفريقيا أن تجد لها مكاناً فى الخارطة العالمية الجديدة لتصبح (القوة السوداء) الجديدة بدلا من كونها غنيمة الماضي والمستقبل؟!.

الشرق الأوسط الجديد
سؤال لا بد أن يجد له إجابة عاجلة وواضحة، وإن كان الجميع يتجاهله ويؤجله ويتعامى عنه ما مصير الشرق الأوسط فى ظل الانهيار الوشيك للمنظومة العالمية؟ ماذا بعد أن تنسحب أمريكا إلى نصفها الغربي وتتركنا فى مهب الريح؟
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تقول بصراحة ووضوح شديدين إن دول الشرق الأوسط مسئولة عن حماية نفسها، وأن أمريكا ستدعمها لكنها لن تحميها. الشرق الأوسط لم يعد يشغل أمريكا إلا من الناحية الاقتصادية؛ البترول والمال فقط لا غير؛ إنها لن تدمي يدها من أجل الغير.. فهل يكفي أن يقام تحالف بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان؟ وأين باقي الدول العربية، ألم يحن الوقت لوجود حلف إقليمي عربي بحجم التحديات المرعبة الوشيكة؟

إن الخارطة القديمة للشرق الأوسط الجديد لم تعد مقنعة لأمريكا، فهل ننتظر من يمسك بالسنكي ليرسم لنا به خارطة تعجبه؛ أم علينا أن نتوحد بخارطة أرحب وأوسع وأقوي؟ هذا سؤال مصيري علينا أن نجيب عليه وإلا أجابتنا عليه الحروب القادمة التي توشك أن تنفجر فى أي لحظة.

الشرارة الأولي

الحشود تقترب فى بطء وتوان. وفوهات المدافع مصوبة تجاه الأهداف. والملاجئ تبني وتجهز تحت الأرض. وثقافة الحرب وتخزين الزاد والعيش بلا كهرباء تسود بين الشعوب. فمتي وأين تبدأ الشرارة الأولي؟.

أمريكا لم يعد لها حلفاء؛ إنها مكتفية بنفسها منكفئة على ذاتها كقوة عظمي تري أنها ليست فى حاجة لحلفاء، وأن عليها استثمار جيشها فى فرض السيطرة على نصفها الغربي الغني بالثروات. عليها أولاً أن تقتنص جرينلاند بأي وسيلة، فيما تتحرك أوروبا لتمنعها وفى ظهرها روسيا تطعنها فى خاصرتها الأوكرانية.

فهل تحدث الشرارة الأولي فى جرينلاند؟
ثم ها هي الصين تلف ذيل التنين حول تايوان وتكتم أنفاسها الملتهبة قبل أن تنفث لهيبها المتأجج نحو الجزيرة المحاصرة؛ فهل تكون نفثة التنين هي الأولي؟ 
أم تأتي الرصاصة الأولي في مضيق هرمز من إحدى حاملات الطائرات الأمريكية لترد إيران فى قلب إسرائيل بمعاونة أذرعها فى لبنان واليمن، وتسعي إيران لحلفائها تستنجد بهم، وتسعي إسرائيل لحلفائها فى أوروبا وأمريكا المشغولين بأنفسهم، ويحتدم القتال على كل الجبهات؟ هل أصبحنا أمام خيار حتمي لصراع أخير كبير يعيد تشكيل العالَم؟ .

 لا أري أهمية جوهرية فى  مكان أو زمان الشرارة الأولي التي قد تجر الدول نحو حرب عالمية ثالثة، وإنما الأهمية تكمن فى استعدادنا لما يجري ويحدث تحت أسماعنا وأبصارنا؛ لأن خريطة الصراعات لم تكن أشد وضوحاً مما هي الآن، والدول الضعيفة ستصبح عُرضة لمطامع الأقوياء الجدد إلا أن تستعد.

من للضعفاء؟

إذا كانت القوي الكبرى تسارع الخطي نحو التجهز للقادم منذ سنوات، فمن للدول والبلدان الضعيفة؟ وهل علينا كعرب أن ننتظر حتي نهاية الصراع الكبير القادم لنتحالف مع المنتصر؟ 

الدول العربية ضعيفة وهي منفردة، لكنها أقوي إذا اتحدت، فهل يمكننا أن ننسي خلافاتنا في ظل الأخطار الوجودية المحدقة بنا كعرب.

إذا قامت الحرب الكبرى فسينهار الدولار، وستشح السلع والبضائع، وتشتعل الأسعار، وتنهار سلاسل الإمداد، وستقول كل دولة نفسي نفسي، ولا سبيل حينئذ للنجاة إلا إذا اتحدت الأيادي.