كان جامع السيدة نفيسة في ذلك اليوم يبدو كأنه يقف خارج القاهرة التي يعرفها «حسن». الزحام يتحرك بطريقة غريبة.. الناس يمشون بسرعة بالغة، لكن أصواتهم متقطعة، و الهواء حول الجامع يبتلع الكلام قبل أن يصل للأذن.
المئذنة شامخة ، تراقب كل من يدخل الساحة بصمت ثقيل.
على الأرصفة، التفّت الباعة في حلقات مشوّهة؛ بسطات كثيرة، ألوان كثيرة، كلها يكسوها غبار خفيف لا يُعرف مصدره.
الرائحة خليط من بخور محروق، وعرق الزحام، وريح قديمة تشبه الريح التي تمرّ في الأضرحة.
وعندما خطا «حسن» نحو الساحة، شعر بشيء غريب؛ المكان يعرفه. مرّ الإحساس في جسده بثقة غير مبرّرة، بلا ذكرى واحدة تسانده.
ظلّ الجامع الطاغي وضوء الشمس المكسور عند بوابته جعلا المكان يبدو كمساحة لا تسمح لكل أحد بالعبور… إلا لمن استُدعي.
وقع عينه على بائع الخواتم الجالس مباشرة عند مدخل السور الخارجي، في موضع لا يراه أحد إلا إذا كان ذاهبًا نحوه تحديدًا.
رجل شديد السمار، بشرته داكنة كالفحم المطفأ، وكأن جلده امتصّ ظلال المكان كله.
عيناه كانتا الشيء الوحيد الذي يختلف عن كل شيء في الساحة؛ بياضهما لامع، لدرجة أن «حسن» أحسّ أنه لا يرى عيني رجل… بل مصابيح صغيرة تنعكس فيها وجوه العابرين. لم يكن الرجل يعلن عن بضاعته، ولا ينادي مثل الباعة الآخرين.
جلس بثبات يدعو للريبة، ويفتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا مليئًا بخواتم من الفضة والنحاس، بعضها يبدو جديدًا، وبعضها يحمل نقش أسماء لم تعد تُقرأ.
حركاته بطيئة، دقيقة، وكأنها معدّة مسبقًا للشخص الذي سيأتي لاستلام شيء منه.
اتجه نحوه «حسن»، ولم يرفع الرجل رأسه أولًا؛ مجرد مدّ يده داخل الصندوق بطريقة دقيقة.
أخرج الخاتم الفضي…
بدا وكأن الرجل كان ينتظر هذه اللحظة وحدها منذ الأزل.
عندما تناوله «حسن»، لاحظ شيئًا لم يستطع تفسيره:
الخاتم دافئ… دافئ بدرجة تجعل اليد ترتجف، كأن أحدًا كان يرتديه منذ ثوانٍ فقط.
قال له بائع الخاتم وهو يشير بيده:
«ده الخاتم اللي نادية عايزاه… روح لها من الطريق ده.»
وأشار ناحية مقابر الخليفة.
لم يكن «حسن» مجرّد سائق دليفري. كان طيّارًا حقيقيًا، شاب لا يرى الناس، بل يسمعهم فقط.
يتخصص في الطرق المنسية والمدن التي لا يمرّ بها أحد.
لذلك اشتهر:
«ابعت لحسن… يوصل حتى القبور لو طلب أهلها.»
لكن أكثر طلباته غرابة كانت من سيدة واحدة… اسمها «نادية».
صوتها ناعم وهادئ، لا يشبه أصوات البشر.
كانت تتصل به من حين لآخر بطلبات غير مفهومة: كوب ماء من بئر مهجور، باقة زهور ذابلة، شريط كاسيت فارغ… ثم تطلب أن يترك الطلب خلف جدار عتيق يتغيّر كل مرة، وسوف يجد النقود هناك موضوعة بنفس الدقة.
لم يُنفّذ حسن أيّ طلبٍ منها قط؛ كان يتعامل مع اتصالاتها كحديثٍ عابر لا يُؤخذ على محمل الجد.
لكن في هذا اليوم، وجد نفسه يتجه إلى المكان بلا طلب، بلا مقابل… كأن النداء هذه المرة لم يحتج أمرًا.
لم يرها أبدًا.
ظلّ المئذنة ممتد فوق الأرض كإصبع طويل يشير إلى مكان بلا معنى. الزحام يضج، لكن «حسن» شعر وكأن الأصوات تتلاشى من حوله. اندفع عبر الأزقة الضيقة، والموتوسيكل يهتز كأنه يقاوم الاتجاه. لم يكن ذاهبًا إلى مكان، بل المكان هو الذي نادى اسمه.
كان الطريق المؤدي إلى المقابر القديمة خلف حي الخليفة يبدو كأنه خارج الزمن. ممر طويل من الحجارة المتآكلة، أبواب حديدية صدئة نصف مفتوحة، كأنها تتنهّد من ثقل من مرّوا بها.
الرائحة خليط من تراب مبتلّ وبخور قديم وشيء آخر… شيء يشبه العتق والسكوت الطويل.
على جانبي الطريق، كانت القبور تتراصّ مثل بيوت صامتة، بعضها مهدم، وبعضها يحمل أسماء باهتة لم يعد أحد يقرأها.
وصل إلى حجرة صغيرة بجدار حجري عتيق، لونه يميل إلى الرماد، وسقف منخفض يدفعك للانحناء قبل الدخول… كنوع من الطاعة، أو الخضوع.
أمام الحجرة شجرة وحيدة، جذعها ملتوي كأنها نشأت فوق قبر لم يُترك لينام بسلام.
الرجل الجالس في ظلّها لم يتحرك، ظلّ شكّله المكان ليجلس فيه.
عندما قدّم «حسن» الخاتم، رفع الرجل وجهًا بلا تعابير:
— «أخيرًا… أنت حسن؟»
أشار إلى قبر خلفه.
على الشاهد الحجري كان هاتف قديم مهترئ.
قال الرجل بصوت أجش:
«ده آخر مكان طلبتك منه نادية. الصوت مازال هنا .»
— «الصوت؟… هي اللي طلبتني؟»
— نعم هي ... هي تعرف عنك أكتر ما تعرف عن نفسك.»
سلّمه ورقة مطوية ونقودًا قليلة.
«دي آخر أجرتها.»
ثم اختفى.
فتح حسن الورقة.
العنوان: «منزل رقم ٥ – حي الطيارين… طريق العودة.»
العنوان كان منزله القديم، الذي تركه منذ عشر سنوات ولم يعد إليه.
ركب الموتوسيكل مسرعًا، والورقة في جيبه تحترق.
رنّ هاتفه، نفس الرقم، نفس الصوت:
«شكرًا يا حسن… هل ستذهب إلى العنوان الذي كتبته لك؟»
تجمّد الدم في عروقه.
كيف عرفت؟
أكمل الصوت بهدوء مرعب:
«الآن أنت أيضًا وصلت… وأصبح لك مكان ثابت.»
وقبل أن يُغلق الخط، قالت نادية آخر ما قالت:
«أمّك كانت عايزه أيّ حاجة من ريحتك… ولو حتى هذا الخاتم.»
شعر حسن بحاجة ماسة للتأكد من شيء واحد فقط. عاد بسرعة جنونية إلى جامع السيدة نفيسة. بحث عن فرشة الخواتم الخشبية التي كان يجلس عليها الرجل ذو العينين كالمصابيح. المكان كان يغصّ بالباعة، لكن مكانه كان فارغاً تماماً، وكأنه لم يقم أحد ببيع الخواتم هنا اليوم قط. دفن حسن وجهه في مقود الموتوسيكل، وهو يشعر بالرعب البارد يتسلل إلى عظامه. لقد نجح في الوصول إلى "روح الأماكن"، لكنه في المقابل فقد روحه هو. مهمته لم تعد توصيل طلبات، بل أصبح هو الطلب. الموتوسيكل الآن لا يعود به... بل يقوده إلى العنوان الذي تركه منذ عشر سنوات، ليصبح "المشوار الأخير" الذي لا يرى الناس بل يسمعهم فقط.
فى نفس الليله كانت القاهرة تبدو كمدينة خرجت من جلدها القديم، نصفها حيّ ونصفها الآخر يتهجّى أسماء الموتى. الأزقّة الملتفّة تتنفس رطوبة، شوارعها الضيقة تُصدر أصواتاً لا تُشبه البشر، والمصابيح المكسورة تشعل ظلاً ثم تطفئ آخر، كأن المدينة نفسها تختبر من يجرؤ على السير فيها بعد منتصف الليل.