قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

جون إلكينغتون: العالم عند مفترق طرق والاستدامة تحتاج إلى تغيير جذري

جانب من الندوة
جانب من الندوة

عقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية، محاضرة متميزة بعنوان: «هل يمكن أن يكون لسياسات ترامب تأثير إيجابي؟»، حاضر فيها البروفيسور جون إلكينغتون، أحد أبرز رواد الاستدامة على مستوى العالم، والمعروف بلقب “الأب الروحي للاستدامة” و”سفير المستقبل”، وهو مؤلف ومشارك في تأليف 21 كتابا في مجالات الاستدامة والتنمية، تناول خلالها مستقبل الاستدامة، ودور العلم والذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية والمناخية العالمية.

وأكد إلكينغتون، أن العالم يمر حاليا بلحظة تحول غير مسبوقة، تقف فيها الاقتصادات والأسواق والسياسات عند مفترق طرق حاسم، مشددا على أن التحديات الراهنة لم تعد قابلة للحل عبر إصلاحات تدريجية، بل تتطلب تغييرا جذريا في طريقة التفكير والعمل.

وأشار إلكينغتون إلى أن النظام العالمي الذي نشأ عليه العالم يتعرض حاليًا لحالة «تمزق» حقيقية، متسائلا عن المسار الذي سيقود إليه هذا التحول، في ظل تصاعد أزمات معقدة ومتشابكة مثل تغير المناخ، والفقر، ونقص الموارد المائية، والحروب والصراعات، وهي تحديات وصفها بأنها «نظامية وخبيثة»، لا يمكن التعامل معها بأدوات تقليدية أو حلول جزئية.

وكشف عن نتائج استطلاع عالمي شمل نحو 950 خبيرا في الاستدامة بأكثر من 70 دولة، أظهرت أن أكثر من 90% من المشاركين يرون أن أجندة الاستدامة الحالية تحتاج إلى تغيير، فيما أكد 56% منهم ضرورة إحداث تغيير جذري، وهو ما يعكس تحولا لافتا في المزاج العالمي تجاه هذه القضايا.

وتطرق إلكينغتون إلى المخاطر المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ، محذرا من تحولات عميقة في النظم البيئية قد تهدد أسس الحضارة الإنسانية نفسها، مستشهدا بتغيرات محتملة في التيارات البحرية الكبرى وتأثيرها طويل الأمد على المناخ العالمي.

وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أكد إلكينغتون أنه يمثل أداة لا غنى عنها لتحقيق أي تقدم حقيقي في مسار الاستدامة، موضحا أن القدرات البشرية وحدها لم تعد كافية للتعامل مع تعقيد التحديات الحالية. لكنه في الوقت نفسه طرح تساؤلات جوهرية حول من يملك هذه التكنولوجيا ومن يوجه استخدامها، محذرا من مخاطر الطاقة والتلوث، ومشيرا إلى إمكانات هائلة للذكاء الاصطناعي في مجالات مثل تطوير الأدوية، وفهم البروتينات، والبحث عن بدائل للمعادن الأرضية النادرة.

وضرب مثالا بتجربة صناعية نجحت، باستخدام الذكاء الاصطناعي، في تطوير مغناطيسات كهربائية دون استخدام أي معادن أرضية نادرة، محققة خفضا كبيرا في التكلفة والبصمة الكربونية، وتسريعا غير مسبوق في عمليات البحث والتطوير.

وعن رؤيته لكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «هدية» على نحو غير مقصود، أوضح إلكينغتون أن ترامب يمثل جزءًا من نمط سياسي أوسع، واعتبر أن الصدمة التي أحدثها ترامب في النظام القائم وفي طريقة تفكير صناع التغيير لم تكن مقصودة، لكنها كشفت بوضوح قصور مبادرات التغيير الحالية عن معالجة التحديات العميقة التي يواجهها العالم.

وأضاف أن «الهدية» هنا لا تعني أن سياساته إيجابية في حد ذاتها، وإنما تكمن في كونها فرضت تحديا قاسيا أجبر كثيرين على إعادة النظر في حلول غير كافية، محذرا من أن يؤدي ذلك إلى حالة من الفوضى تفقد المجتمعات بوصلتها، وهو ما يبرز الحاجة الملحة إلى قيادة واعية قادرة على توجيه مسار التغيير. وأشار في هذا السياق إلى الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه مراكز الفكر والمؤسسات البحثية، مثل المركز المصري للدراسات الاقتصادية، في سد فجوة القيادة الحالية.

كما تناول إلكينغتون التغيرات التي يشهدها عالم الأعمال، مشيرا إلى أن بعض الشركات تتراجع علنا عن التزاماتها المناخية، لكنها تواصل العمل عليها فعليا خلف الكواليس، مؤكدا أن الأسواق الحالية لا تزال عاجزة عن مكافأة التحولات المستدامة بالوتيرة المطلوبة، رغم وجود نماذج ناجحة مثل التحول الواسع نحو السيارات الكهربائية في دول كالنرويج.

وعلى الجانب السياسي، شدد على أن السياسات العامة تلعب دورا حاسما في تشكيل الأسواق وسلوك الشركات، محذرا من أن قصر النظر في النقاشات السياسية الراهنة قد يهدد الديمقراطية نفسها.

واختتم إلكينغتون حديثه بالتأكيد على أهمية التعاون بين الأجيال، محذرا من تحميل الشباب وحدهم مسؤولية التغيير، ومشددا على ضرورة تمكينهم عبر التعليم والتمويل والسياسات العامة، داعيا إلى تبني دور «البنّاء» بدلا من الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التمسك بعالم لم يعد قائما.

من جانبه عقب الدكتور أحمد طنطاوي، كبير مستشاري وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والمدير المؤسس لمركز الابتكار التطبيقي بالوزارة، بقوله أن الذكاء الاصطناعي بصورته الحالية لا يمثل تطورا تقنيا تقليديا، بل هو نتاج عجز الأساليب التكنولوجية القديمة عن حل مشكلات معقدة، ما دفع المطورين إلى الانتقال من منطق “إعطاء الأوامر” إلى منطق “تعليم الآلة” كيفية اكتشاف الأنماط بنفسها من خلال كميات هائلة من البيانات.

وأوضح طنطاوي أن الطفرة في الذكاء الاصطناعي لم تكن ممكنة لولا التطور الكبير في قدرات الحوسبة، خاصة مع ظهور وحدات معالجة الرسومات، التي سمحت بتدريب نماذج ضخمة قادرة على استخراج أنماط غير معروفة حتى لمطوريها، وهو ما يطرح تحديا جوهريا يتمثل في غياب الفهم الكامل لكيفية وصول هذه النماذج إلى نتائجها.

وأشار إلى أن خطورة الذكاء الاصطناعي تكمن في قدرته على إنتاج استنتاجات قد تبدو صحيحة إحصائيا لكنها في الواقع وهمية أو غير دقيقة، مستشهدا بالنماذج اللغوية الكبيرة التي تعتمد على كل ما كتب ونشر، بغض النظر عن جودة أو صحة المحتوى، ما يجعل “الأغلبية” هي الحكم.

وحذر طنطاوي من أن هذا الوضع يثير مخاوف حقيقية داخل الأوساط العلمية، في ظل سهولة ادعاء الخبرة وبناء نماذج تُستخدم في مجالات حساسة دون رقابة كافية، مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي، رغم أهميته وإمكاناته في دعم الاستدامة، يظل تكنولوجيا خطيرة إذا لم تُصمم وتُنظم ضمن أطر واضحة للحوكمة والأخلاقيات، خاصة مع الاتجاه السائد لترك الابتكار يسبق التنظيم.

من جانبه علق طارق عثمان، مؤلف وكبير المستشارين السياسيين في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لشؤون العالم العربي، بقوله أن عنوان الندوة يعكس عمق التحولات العالمية الراهنة، لافتا إلى اتساع نطاق القضايا التي يطرحها البروفيسور جون إلكينغتون، وعلى رأسها التداعيات المتسارعة لتغير المناخ، التي باتت تمثل تهديدا وجوديا لمدن ساحلية كبرى، سواء في أوروبا أو في المنطقة، بما في ذلك الإسكندرية.

وأكد عثمان أن قضية المياه تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه مصر والشرق الأوسط، إلى جانب إشكالية عدالة التنمية، معتبرا أن هذا المفهوم يطرح تساؤلات معقدة في دول الجنوب العالمي، خاصة في ظل ضعف نظم التعليم والرعاية الصحية، بما يجعل تحقيق العدالة أكثر تعقيدا من مجرد السعي إلى المساواة.

وتطرق عثمان إلى مخرجات مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، خاصة ما يتعلق بالاتفاق على آلية «الخسائر والأضرار»، معتبرا أنها تمثل نقطة التقاء مباشرة بين قضايا المناخ والاقتصاد السياسي الدولي، وتعكس أبعادا أوسع لمسألة الإنصاف بين الشمال والجنوب.

من جانبها وصفت الدكتورة عبلة عبد اللطيف المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، النظام الدولي متعدد الأطراف الحالي بأنه أشبه بمحاولة وضع فيل داخل صندوق، معتبرة أن ما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو تسريع تفكك هذا الإطار، ليصبح النظام العالمي في حالة انفلات واضح دون وجود حكماء قادرين على ضبط الإيقاع.

وأشارت إلى أنه رغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك مؤشرات إيجابية، من بينها اتجاه الاتحاد الأوروبي نحو قدر أكبر من التقارب والتنسيق في مواجهة التحديات المشتركة.

وفيما يتعلق بسوق العمل، كشفت عبد اللطيف أن المركز المصري للدراسات الاقتصادية يجري حاليا تحليلا معمقا لتأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في مصر، مؤكدة أنه سيتم الإعلان عن نتائج هذه الدراسة قريبا.