قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

رسائل تتجاوز البروتوكول | لماذا تُشكّل زيارة أردوغان لمصر تحولًا في خريطة المنطقة؟.. خبير يجيب

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في توقيت إقليمي يموج بالاضطرابات والتحولات السريعة، تأتي زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة كحدث يتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي المعتاد. فالمنطقة الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر، مرورًا بليبيا والسودان والقرن الإفريقي، تعيش حالة من السيولة السياسية والأمنية التي تفرض على القوى الإقليمية الكبرى إعادة ترتيب أوراقها. من هنا، لا تبدو الزيارة مجرد لقاء ثنائي بين رئيسين، بل خطوة تحمل في طياتها رسائل تتعلق بمستقبل التوازنات في شرق المتوسط ومحيطه.

وفي قراءة للمشهد، يعتبر اللواء نبيل السيد، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن هذه الزيارة تعكس تحولًا في طريقة إدارة العلاقات بين القاهرة وأنقرة، حيث باتت المصالح الاستراتيجية والحسابات الواقعية تتقدم على سنوات من التباعد والخلاف. وبحسب رؤيته، فإن ما يجري ليس تقاربًا عابرًا، بل إعادة صياغة لمسار علاقة بين دولتين تمثلان ركيزتين أساسيتين في معادلة الاستقرار الإقليمي.

إنهاء مرحلة التباعد وبداية الواقعية السياسية

يرى اللواء نبيل السيد أن الزيارة تمثل تتويجًا لمسار طويل من الاتصالات والتهدئة الدبلوماسية، بعد سنوات من التوتر السياسي. ويؤكد أن “القيادة في البلدين انتقلت من مرحلة الخلافات الأيديولوجية إلى مرحلة الحسابات الاستراتيجية البحتة”، مشيرًا إلى أن طبيعة التحديات الإقليمية الحالية فرضت منطق المصالح المشتركة بدلًا من الاستقطاب.

ويوضح أن القاهرة وأنقرة أدركتا أن استمرار القطيعة لا يخدم استقرار المنطقة، بل يفتح المجال لقوى أخرى لملء الفراغ، وهو ما دفع الطرفين إلى إعادة بناء الثقة تدريجيًا وصولًا إلى هذه القمة.

غزة في صدارة المشهد

يضع اللواء نبيل السيد تطورات الحرب في غزة في مقدمة العوامل التي سرعت وتيرة التقارب. فبحسب رؤيته، “مصر وتركيا تمثلان قوتين إقليميتين قادرتين على التأثير في مسار الأزمة، سواء من خلال الضغط السياسي أو الجهود الإنسانية”.

ويشير إلى أن التنسيق بين القاهرة وأنقرة قد يسهم في تعزيز مسارات إدخال المساعدات الإنسانية ووقف التصعيد، خصوصًا أن كلا البلدين يحتفظ بعلاقات مؤثرة مع أطراف الصراع. ويرى أن هذا التعاون يعكس إدراكًا متبادلًا بأن استقرار شرق المتوسط يبدأ من احتواء الانفجار في الأراضي الفلسطينية.

الملف الليبي والسوداني.. تقاطع مصالح لا صدام

فيما يتعلق بليبيا، يوضح اللواء نبيل السيد أن القاهرة وأنقرة باتتا أقرب إلى “تفاهمات غير معلنة” تقوم على منع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة. ويؤكد أن “التنافس السابق تحوّل إلى إدارة مشتركة للتوازن”، حيث يدرك الطرفان أن استقرار ليبيا يصب في مصلحة الأمن القومي لكليهما.

أما في السودان، فيرى أن البلدين يشتركان في القلق من تمدد الفوضى، وأن هناك إمكانية لتنسيق الجهود لدعم مسار سياسي يمنع تفكك الدولة السودانية، خصوصًا مع تصاعد المخاطر على البحر الأحمر وممرات الملاحة الدولية.

التعاون العسكري.. رسائل ثقة متبادلة

يشير اللواء نبيل السيد إلى أن الحديث عن تطور التعاون العسكري بين مصر وتركيا يعكس مستوى جديدًا من الثقة. ويقول إن “أي تقارب في المجال الدفاعي لا يحدث إلا بعد تقييمات أمنية دقيقة”، معتبرًا أن مناقشة مجالات مثل الصناعات الدفاعية أو تبادل الخبرات تمثل مؤشرًا على تجاوز مرحلة الحذر.

ويرى أن هذا التعاون لا يهدف إلى تشكيل محور عسكري، بل إلى تعزيز قدرات الردع والاستقرار في منطقة تشهد سباق تسلح وتوترات متزايدة.

الاقتصاد بوابة الاستدامة السياسية

لا يفصل الخبير الاستراتيجي بين السياسة والاقتصاد، مؤكدًا أن العلاقات التجارية تمثل الضامن الحقيقي لاستمرار التقارب. ويشير إلى أن رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين يعكس إدراكًا متبادلًا بأن الشراكة الاقتصادية تخلق مصالح يصعب التفريط فيها.

ويضيف أن تركيا تنظر إلى مصر كبوابة رئيسية للأسواق الإفريقية، بينما ترى القاهرة في أنقرة شريكًا صناعيًا وتكنولوجيًا مهمًا، وهو ما يعزز فرص التكامل بدلًا من التنافس.

رسائل إقليمية تتجاوز الثنائية

بحسب اللواء نبيل السيد، فإن الزيارة لا تقتصر رسائلها على القاهرة وأنقرة فقط، بل تمتد إلى عواصم إقليمية ودولية تتابع هذا التقارب باهتمام. ويؤكد أن “تحسن العلاقات بين مصر وتركيا يعيد تشكيل خريطة التحالفات في شرق المتوسط”، ويحد من حدة الاستقطاب التي سادت خلال العقد الماضي.

كما يرى أن هذا التقارب يمنح البلدين قدرة أكبر على لعب أدوار الوساطة والتوازن، بدلًا من الانخراط في صراعات المحاور.


في الختام، تكشف زيارة أردوغان إلى مصر عن مشهد إقليمي يعاد تشكيله بهدوء ولكن بعمق. فالتقارب بين القاهرة وأنقرة لا يرتبط بملف واحد أو ظرف مؤقت، بل يعكس إدراكًا متبادلًا بأن تحديات المرحلة تتطلب شراكات مرنة قادرة على إدارة الأزمات بدلًا من تأجيجها. وبينما تتغير خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة، يبدو أن البلدين يختاران التحرك داخل مساحات التفاهم الممكن بدلًا من البقاء أسرى خلافات الماضي.

ومن زاوية اللواء نبيل السيد، فإن هذا المسار يحمل فرصة حقيقية لبناء توازن إقليمي أكثر استقرارًا، شرط أن يُترجم التقارب السياسي إلى تعاون عملي ومستدام. عندها فقط يمكن القول إن الزيارة لم تكن حدثًا عابرًا في سجل العلاقات، بل بداية فصل جديد قد يترك أثره في معادلات الأمن والسياسة والاقتصاد في المنطقة لسنوات قادمة.