أثار تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمنع افتتاح جسر "غوردي هاو" الدولي، الرابط بين مدينة ديترويت الأمريكية وويندسور الكندية، موجة واسعة من القلق على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي.
وكشف هذا التهديد أن الخلافات بين الحليفين التاريخيين لم تعد تدار خلف الأبواب المغلقة، بل تحولت إلى تصعيد علني قد يخلف تداعيات مباشرة على حركة التجارة والصناعة وحتى على استقرار المنطقة بأكملها.
ووفقا لما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن الجسر الجديد، الذي تولت كندا تمويله بكلفة تجاوزت مليار دولار، كان من المخطط افتتاحه أمام حركة نقل البضائع في وقت مبكر من العام الجاري.
ويهدف المشروع إلى تخفيف الضغط المتزايد على الجسر القديم المملوك لعائلة مورون، إلى جانب تعزيز انسيابية التبادل التجاري بين البلدين، في أحد أكثر المعابر الحدودية نشاطا في أمريكا الشمالية.
غير أن مسار المشروع دخل مرحلة من الغموض بعد أن لوح ترامب بإمكانية وقف افتتاح الجسر، ما لم تبادر السلطات الكندية إلى معالجة قائمة طويلة ومتنامية من "المظالم"، لم يجرِ تحديدها بدقة _ بحسب تعبيره.
وأكد الرئيس الأمريكي أن أوتاوا لن تتمكن من تشغيل الجسر "إلى أن يتم تعويض الولايات المتحدة عن كل ما قدمناه، وأن تعامل أمريكا بالعدل والاحترام الذي تستحقه"، في تصريح اعتبره مراقبون تصعيدا غير مسبوق في التعامل مع شريك استراتيجي.
استراتيجية ضغط تتجاوز الأعراف
يرى محللون أن هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خطاب سياسي عابر، بل تعكس نمطا متكررا من الضغط المباشر على الحلفاء، يتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية، فالتهديد بتعطيل مشروع بنية تحتية حيوي، إلى جانب تصريحات سابقة تناولت فرض الرسوم الجمركية وتهديدات طالت قطاع الطيران الكندي، يعكس مقاربة تعتبر الاقتصاد الكندي ورقة تفاوض شخصية أكثر منه شراكة تجارية متكافئة.
وهذا التوجه أثار ردود فعل حادة في كندا، إذ وصفت غرفة التجارة الكندية تلك التهديدات بأنها "خطوة انتحارية اقتصادية"، محذرة من انعكاساتها على المصالح المشتركة.
وفي المقابل، سعى مسؤولون في ولاية ميشيغان ومدينة ويندسور إلى تهدئة المخاوف، مؤكدين أن افتتاح الجسر سيتم "بطريقة أو بأخرى"، رغم أجواء التوتر السياسي غير المسبوقة التي تحيط بالمشروع.
أبعاد سياسية تتجاوز الاقتصاد
ويعتقد مراقبون أن أبعاد الأزمة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تحمل رسالة سياسية أوسع مفادها أن أي مشروع أو اتفاق بين واشنطن وأوتاوا بات عرضة لتقلبات السلطة التنفيذية الأمريكية، فالمشاريع المشتركة يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط تستخدم في ملفات متعددة، من التجارة والصناعة إلى قضايا تبدو بعيدة ظاهريا عن الاقتصاد، كما ظهر في تصريحات ترامب التي تناولت "بطولة هوكي ستانلي".
ويشير هذا المسار إلى أن العلاقة بين البلدين، التي طالما وصفت بأنها نموذج للاستقرار والتعاون، أصبحت أكثر هشاشة أمام الاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، ما يضع الحكومة الكندية أمام تحديات جديدة في إدارة شراكتها مع جارها الأكبر.
مصالح خاصة وتشابكات داخلية
كما يعكس التهديد، بحسب خبراء، تداخلا بين السياسة والمصالح الاقتصادية الخاصة داخل الولايات المتحدة، فهناك مستثمرون أمريكيون بارزون في البنية التحتية الحدودية، من بينهم عائلة مورون المالكة لـ"جسر السفير"، الذي كان سيواجه منافسة مباشرة من جسر "غوردي هاو" الجديد.
ومن ثم، فإن التلويح بوقف افتتاح المشروع يسلط الضوء على الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها الحسابات الداخلية والرغبات الشخصية للرئيس في مسار شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
اختبار لصبر الحلفاء
ويخلص خبراء إلى أن جعل افتتاح جسر "غوردي هاو" رهينة لمطالب غير محددة بوضوح يوضح أن الدبلوماسية تحت الضغط الأمريكي لم تعد مجرد تهديدات لفظية، بل تحولت إلى اختبار فعلي لصبر الحلفاء ولصلابة العلاقات الاقتصادية العابرة للحدود.
والجدير بالذكر، أنه في ظل هذا المشهد، تتصاعد التساؤلات حول مدى قدرة التعاون الكندي–الأمريكي على الصمود أمام الضغوط السياسية الفردية، وما إذا كانت المشاريع الحيوية المشتركة ستبقى بمنأى عن التوظيف السياسي، أم ستتحول إلى أوراق ضغط متكررة في معادلات التفاوض بين البلدين.



