قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أخضر من الخارج وهش من الداخل.. كيف تغير الأشجار السريعة ملامح الغابات وتضعف درع الأرض المناخي؟

الأشجار السريعة
الأشجار السريعة

تبدو صور الأقمار الصناعية مطمئنة؛ مساحات شاسعة من اللون الأخضر، وحملات تشجير تتوسع عامًا بعد عام لكن خلف هذا المشهد المريح بصريًا، تدور معركة صامتة داخل الغابات من سيقود مستقبلها؟ الأشجار البطيئة المتينة التي تبني الاستقرار عبر قرون، أم الأشجار السريعة الهشة التي تنمو بسرعة وتنهار بسرعة أكبر؟

دراسة عالمية شملت أكثر من 31 ألف نوع من الأشجار، ونُشرت في مجلة Nature Plants، تكشف أن الغابات لا تفقد مساحتها فحسب، بل يتغير “أسلوب عملها” من الداخل؛ تركيبها البنيوي، ودورها في تخزين الكربون، وقدرتها على دعم التنوع البيولوجي لم تعد كما كانت قبل عقود.

من فسيفساء بيئية غنية إلى هيمنة الأنواع السريعة

لطالما كانت الغابات أشبه بفسيفساء معقدة؛ مزيج من أشجار سريعة وبطيئة النمو، عالية وقصيرة، ذات أخشاب كثيفة أو خفيفة. هذا التنوع لم يكن عشوائيًا، بل كان أساس التوازن البيئي.

اليوم، تميل الكفة تدريجيًا لصالح الأشجار سريعة النمو هذه الأنواع تتميز بأوراق رقيقة وخشب أقل كثافة، وتحتاج إلى كميات أكبر من الماء والعناصر الغذائية وهي تتفوق في البيئات المضطربة مثل المناطق التي تعرضت للحرائق أو قطع الأشجار أو الواقعة على أطراف المدن.

في المقابل، تتراجع الأشجار البطيئة وطويلة العمر ذات الجذور العميقة والأخشاب الكثيفة. هذه الأشجار كانت تمثل “الهيكل العظمي” للغابة؛ تخزن الكربون لفترات طويلة، وتوفر موائل مستقرة لمئات الأنواع من الطيور والحشرات والفطريات، خصوصًا في الغابات الاستوائية الغنية بالتنوع الحيوي.

ماذا يعني هذا التحول فعليًا؟

الأشجار السريعة:

-تنمو بسرعة وتملأ الفراغات بعد الاضطرابات.

-عمرها أقصر وأكثر عرضة للتلف.

-تعيد الكربون إلى الغلاف الجوي سريعًا عند موتها أو احتراقها.

الأشجار البطيئة:

-تبني استقرار الغابة على المدى الطويل.

-تخزن الكربون في أخشاب كثيفة وجذور عميقة لعقود وربما قرون.

-تحافظ على شبكات حياة معقدة ومتخصصة.

غابات أكثر تشابهًا وأقل فرادة

جزء من هذا التحول يرتبط بانتشار الأنواع غير الأصلية، التي نُقلت عبر التجارة العالمية ومشاريع التشجير والزراعة الحرجية من بينها الأكاسيا والأوكالبتوس والحور والصنوبر بعض هذه الأنواع يتجنس في بيئته الجديدة وينتشر بسرعة، منافسًا الأنواع المحلية على الماء والضوء والغذاء. لكنه لا يؤدي الدور البيئي الدقيق الذي تطور عبر آلاف السنين بين الأشجار الأصلية وبقية الكائنات.

لماذا يحدث هذا الآن؟

أصبحت غابات العالم تصبح أكثر تشابهًا، وتفقد كل منطقة بصمتها البيئية الفريدة. فالتحول ليس مصادفة، بل نتيجة مباشرة لتدخل الإنسان في المناخ واستخدام الأرض:

- تغير المناخ :الحرارة المرتفعة والأمطار غير المنتظمة تضغط على الأشجار البطيئة، بينما تمنح الأفضلية لأنواع سريعة تستطيع استغلال الفترات الرطبة القصيرة.

- إزالة الغابات والتوسع العمراني شق الطرق والزراعة والتوسع الحضري يجزئ الغابات إلى رقع صغيرة، وهي بيئة مثالية للأنواع السريعة والدخيلة.

- الزراعة الحرجية المكثفة إنشاء مزارع أحادية النوع لإنتاج الأخشاب أو الوقود الحيوي يعزز سيطرة الأنواع السريعة على حساب التنوع الطبيعي.

- نقل الأنواع بين القارات المشاتل ومشاريع الزينة والتشجير تنقل بذورًا عبر العالم، ليتحول بعضها إلى أنواع غازية تؤثر في النظم البيئية المحلية.

هل نحن أمام اختفاء الغابات؟

الدراسة لا تشير إلى أن الغابات ستختفي، بل تحذر من تغير نوعيتها ووظيفتها فالتحول الحالي يجعل الغابات، أقل تنوعًا بيولوجيًا، وأضعف في تخزين الكربون طويل الأمد، وأكثر هشاشة أمام الكوارث المناخية.

درعنا الأخضر تحت الاختبار

الغابات ليست مجرد مناظر طبيعية خلابة أو مساحات ترفيهية إنها درع مناخي، وخزان للكربون، ومنظّم لدورات المياه، وملاذ لملايين الكائنات الحية، وحين تتغير قواعد اللعبة داخل الغابة لصالح الأنواع السريعة والهشة، يتأثر استقرار المناخ، ونقاء الهواء، وتوازن المياه، ومستقبل الحياة البرية وفي نهاية المطاف، جودة الحياة البشرية نفسها.