في شمال السودان، حيث تمتد الرمال على مرمى البصر وتغيب مظاهر العمران؛ تقف صحراء بيوضة اليوم على أعتاب تحوّل تاريخي، فهذه الرقعة التي ظلت لعقود تُصنّف كمنطقة صحراوية قاسية، باتت محط أنظار صناع القرار والجيولوجيين، بعد أن كشفت المؤشرات الأولية عن احتضانها لمعادن تُوصف بأنها “ذهب المستقبل”.
“الليثيوم، الكوبالت، العناصر الأرضية النادرة” لم تعد مجرد مصطلحات علمية؛ بل مفاتيح لعصر اقتصادي جديد قد يضع السودان في قلب خريطة الطاقة النظيفة والصناعات التكنولوجية العالمية.
عصر المعادن الاستراتيجية.. إعلان الدخول الرسمي
في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، أعلن وزير المعادن السوداني، نور الدائم طه، دخول البلاد عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة، في تحول لافت بعد عقود من الاعتماد شبه الكلي على الذهب كمصدر رئيسي للإيرادات التعدينية.
الوزير أكد أن العالم لم يعد ينظر إلى الذهب باعتباره المعدن الأكثر تأثيراً في موازين القوى الاقتصادية، بل تحوّل الاهتمام إلى المعادن الصناعية والاستراتيجية التي تدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، وأنظمة تخزين الطاقة الشمسية والرياح.
وأضاف أن هذه المعادن أصبحت محور تحالفات دولية وصراعات اقتصادية كبرى؛ ما يمنح السودان فرصة تاريخية للتموضع كلاعب فاعل في هذا المشهد العالمي المتسارع.
وفي هذا السياق، كشف عن مشروع استكشاف يعتمد على تقنيات الاستشعار عن بُعد، يستهدف إلى جانب الذهب معادن مثل “الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة”، مؤكداً أن المؤشرات الجيولوجية الأولية مشجعة، وتستدعي تكثيف العمل البحثي والعلمي.
من الذهب إلى الليثيوم.. تحوّل في الأولويات
تصريحات الوزير السوداني عكست تحولاً استراتيجياً واضحاً: “العالم اليوم انتقل من الذهب إلى المعادن الصناعية والاستراتيجية”، في إشارة إلى أن المنافسة الدولية لم تعد تدور حول المخزون التقليدي من الثروات، بل حول معادن تُعد عصب الثورة الصناعية الرابعة والتحول الطاقي العالمي.
ولا يعني هذا التحول “التخلي عن الذهب”، لكنه يشير إلى إعادة ترتيب الأولويات بما يتماشى مع الاتجاهات العالمية، فالطلب المتزايد على السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة رفع قيمة الليثيوم والكوبالت إلى مستويات قياسية، وجعل الدول التي تمتلك احتياطيات منهما في موقع تفاوضي متقدم على الساحة الدولية.
الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية.. القلب النابض للتحول
في قلب هذا المشروع الطموح، تقف الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، التي وصفها الوزير بـ”القلب النابض لقطاع التعدين”، وبعد سنوات من محدودية التمويل وضعف الإمكانات؛ أعلنت الوزارة تخصيص ميزانية كبيرة لدعم أعمال المسح الجيولوجي، مع إلزام مؤسسات القطاع كافة بالمساهمة في الأبحاث.
المدير العام للهيئة، الجيولوجي المستشار أحمد هارون التوم، اعتبر المشروع “ركيزة استراتيجية لإعادة بناء قطاع التعدين على أسس علمية حديثة”.
وأوضح أن الهيئة تعمل حالياً على إعداد خريطة جيولوجية وجيوكيميائية شاملة، تتيح تحديد مواقع المعادن بدقة واستغلالها بكفاءة، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويدعم خطط إعادة الإعمار.
وأكد أن الاستثمار في المعادن دون قاعدة علمية صلبة؛ قد يؤدي إلى هدر الموارد، مشدداً على أن المعرفة الجيولوجية الدقيقة هي الضامن الحقيقي لتحقيق عائد اقتصادي مستدام.
بيوضة.. قلب بكر جيولوجي شمال الخرطوم
تقع صحراء بيوضة في شمال السودان، وتمتد شمال مدينة الخرطوم مباشرة، حيث تبدأ أطرافها الجنوبية على مسافة تتراوح بين 200 و300 كيلومتر تقريباً من العاصمة، وتتموضع غرب نهر النيل، بين منطقة المناصير والمربعات وصحراء النوبة، وتمتد غرباً نحو الدبة في شمال البلاد.
وتغطي بيوضة مساحة تقارب 100 ألف كيلومتر مربع، وتحيط بها ثنية نهرية كبرى من 3 جهات، فيما يقسمها وادي أبو دوم ووادي المقدم.
ويتميز الجزء الشرقي منها بـ"حقل بركاني"، بينما تكسو الغرب “امتدادات رملية” تتخللها “نتوءات صخرية داكنة”؛ ما يمنحها تنوعاً جيولوجياً نادراً يجعلها بيئة مثالية لتشكل معادن استراتيجية.
ويزيد هذا التنوع الجيولوجي- بحسب مختصين- من احتمالية وجود تركيزات معدنية مهمة، ويعزز من أهمية تكثيف أعمال الاستكشاف المنهجي.
بحيرة مالحة ونطرون نادر.. كنوز تحت الرمال
غير أن بيوضة لا تختزن فقط معادن المستقبل، بل تحتضن أيضاً أسرار الماضي، ففي يونيو الماضي، أعلن باحثون بولنديون اكتشاف بحيرة قديمة مالحة في المنطقة، استُخرج منها معدن النطرون النادر، المستخدم تاريخياً في تحنيط الجثث وصناعة الزجاج والسيراميك.
ويُعد النطرون- وهو من فئة كربونات الصوديوم- من المعادن التي لا تتوفر إلا في مناطق محدودة جداً حول العالم، ويشكل وادي النطرون في مصر، أحد أشهر مصادره التاريخية؛ ما دفع علماء الآثار إلى إعادة النظر في شبكات التجارة القديمة التي ربطت السودان بمصر، وربما بمناطق أوسع في العصور القديمة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ نجح الباحثون، بعد سنوات من العمل الميداني الشاق، في تحديد أكثر من 1200 موقع أثري جديد في بيوضة، بينها أكثر من 400 موقع ضمن مشروع تابع للمركز الوطني البولندي للعلوم، وفق ما نشرته دوريات علمية متخصصة.
وتشير هذه الاكتشافات إلى أن المنطقة كانت مأهولة على مدى آلاف السنين؛ ما يضفي عليها بعداً حضارياً إلى جانب أهميتها الاقتصادية.
بين الفرصة التاريخية والتحديات الواقعية
يرى مراقبون أن ما يجري في بيوضة، يمثل نقلة نوعية محتملة من اقتصاد يعتمد على الذهب، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وانخراطاً في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الاستراتيجية، فالمعركة لم تعد حول استخراج المعدن فحسب؛ بل حول من يملك القدرة على إدماج موارده في منظومات التصنيع والتكنولوجيا.
ولا تخلو هذه الفرصة من تحديات، فنجاح المشروع يتطلب بيئة تشريعية واضحة، وحوكمة رشيدة، وبنية تحتية قادرة على استيعاب الاستثمارات، إضافة إلى ضمانات للشفافية تمنع تكرار تجارب الهدر وسوء الإدارة.
السودان على مفترق طرق
يقف السودان اليوم أمام خيارين واضحين، إما أن يحسن استثمار كنوز بيوضة المعدنية والأثرية بعقلية علمية واستراتيجية، فيفتح أبواب التنمية ويجذب الاستثمارات الأجنبية ويعيد رسم صورته الاقتصادية، أو أن تتبدد الفرصة وسط تعثر إداري أو غياب رؤية طويلة المدى.
صحراء بيوضة لم تعد مجرد رمالا ساكنة؛ بل أصبحت رمزاً لاحتمال كبير أن تتحول منطقة منسية إلى مركز إقليمي للطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، وفي زمن تتحدد فيه ملامح المستقبل بامتلاك المعادن الاستراتيجية؛ قد تكون “بيوضة” هي الورقة الرابحة التي تعيد للسودان مكانته على الخريطة الاقتصادية العالمية إذا ما أُحسن لعبها.