في كل مرة تنفجر فيها واقعة سرقة أدبية، يتعامل البعض معها كأنها حادث استثنائي، سقطة فردية في مسار الثقافة، لكن الحقيقة التي يكشفها التاريخ أكثر قسوة: السرقة الأدبية ليست عارضًا طارئًا، بل ظلًّا رافق الإبداع منذ وُلد، من دواوين الشعر العباسي إلى منصات النشر الرقمي، ومن مخطوطات النُّساخ إلى «النسخ واللصق»، ظل السؤال واحدًا: أين ينتهي التأثر ويبدأ الانتحال؟.
ونرصد في هذا التقرير قراءة تاريخية ونقدية، لأبرز وقائع السرقات الأدبية في الثقافة العربية، مع إطلالة على نماذج عالمية، ويحلل أنماطها ودوافعها وتحولاتها عبر الزمن، وذلك بمناسبة الأزمة المثارة في الوقت الحالي، والخاصة بالدكتورة جيهان زكي، مؤلفة كتاب «كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين»، والكاتبة سهيرة عبد الحميد مؤلفة كتاب «اغتيال قوت القلوب الدمرداشية»، والتي علّق عليها ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، قائلًا: «القضية المتعلقة بالدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، ما زالت منظورة أمام محكمة النقض، والطعن مقدَّم من النيابة العامة وليس من الوزيرة نفسها، مؤكدًا أن الحديث عن ثبوت اتهام بات بحق أي وزيرة في هذه المرحلة يُعد مخالفًا للقانون وسابقًا لأوانه».
السرقات في التراث.. حين كان النقد محكمة علنية
اللافت أن التراث العربي لم يتجاهل الظاهرة، بل واجهها مبكرًا بالتوثيق والتصنيف، في القرن الثالث الهجري، ألّف ابن طيفور كتاب سرقات الشعراء (280هـ)، ورصد فيه سرقات بين كبار الشعراء، ومنها ما نُسب إلى البحتري من أستاذه أبو تمام، ولم يكن الاتهام أخلاقيًا فقط، بل فنيًا أيضًا، وهو ما دفع وقتها إلى طرح سؤال هل أعاد الشاعر صياغة المعنى أم نقله بحرفيته؟، ثم جاء ابن المعتز في كتابه السرقات (296هـ)، فحاول أن يضع معايير دقيقة لهذا الأمر وهي: هناك «أخذ المعنى» مع تطويره، وهناك «السلخ» بإبقاء البنية العامة، وهناك «أخذ اللفظ والمعنى» وهو الانتحال الصريح.
لكن القضية بلغت ذروتها مع المتنبي، الذي وُضع تحت مجهر نقدي حاد، في كتاب المنصف في نقد الشعر وبيان سرقات المتنبي، اتهم ابن وكيع المتنبي بسرقة معانٍ من نحو خمسين شاعرًا، وهو ما يعتبر رقم ضخم بمقاييس ذلك العصر، ما يدل على أن الجدل لم يكن هامشيًا.
غير أن المدافعين عن المتنبي رأوا أن «المعاني مطروحة في الطريق»، وأن عبقريته تجلت في إعادة صياغتها لا في اختراعها من فراغ، وهنا يتبلور سؤال لا يزال قائمًا: هل الإبداع خلقٌ مطلق أم إعادة تركيب؟
معارك الحداثة.. بين الترجمة والانتحال
مع دخول القرن العشرين، اتخذت السرقات شكلًا أكثر تعقيدًا، خاصة مع اتساع حركة الترجمة، وكانت البداية مع معركة 1916 بين إبراهيم المازني، وعبد الرحمن شكري.
واندلعت المعركة الأدبية الشهيرة بين المازني و شكري، حينما اتهم الثاني زميله بانتحال أشعار إنجليزية ونشرها في ديوانه دون إشارة كافية إلى مصادرها، وبلغ التصعيد حد أن شكري وثّق اتهاماته في مقدمة الجزء الخامس من ديوانه.
المفارقة أن هذه المعركة لم تكن فقط حول نصوص، بل حول مفهوم «الأصالة» في جيل أراد تأسيس حداثة عربية متصلة بالغرب، وهنا تم طرح سؤال هل كان الاقتباس ضرورة ثقافية أم تجاوزًا أخلاقيًا؟.
توفيق الحكيم و«حمار الحكيم»
اتهم الناقد أحمد رشدي صالح الكاتب الكبير توفيق الحكيم بأن روايته حمار الحكيم (1940) تتطابق في بنائها وأحداثها مع كتاب أنا وحماري للكاتب الإسباني خوان رامون خيمينيث (1914)، ونُشرت مقارنات تشير إلى تشابه العلاقة الرمزية بين الإنسان والحمار، وتوازي بعض المشاهد، لم يُحسم الجدل قضائيًا، لكنه ظل حاضرًا في الدراسات النقدية بوصفه نموذجًا لـ«الاقتباس غير المعلن».
طه حسين ومحمد مندور.. إشكاليات التوثيق
في كتاب في الشعر الجاهلي، أثار طه حسين عاصفة فكرية، لاحقًا وُجهت إليه اتهامات بالاعتماد على أطروحات المستشرق البريطاني ديفيد صموئيل مارجليوث دون إحالات كافية.
كما اتُهم محمد مندور بنشر نصوص لآخرين مدعيًا أنه ترجمها، وهي اتهامات كشفت هشاشة معايير التوثيق في بعض مراحل النقد العربي الحديث.
وفي سياق قريب، وعند تحقيق ديوان إبراهيم ناجي، تبيّن أن بعض القصائد المنسوبة إليه تعود إلى شاعر مغمور، ما يطرح سؤالًا حول دقة الجمع والطباعة في القرن العشرين.
سرقات البحث العلمي.. «بلطجة فكرية»
بعيدًا عن الأدب الإبداعي، تكشف الجامعات عن وجه آخر للظاهرة، فهناك العديد من الأبحاث يتم سرقتها من بعض المؤلفات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، السرقات التي تمت من كتاب «التغريب والتجريب في الأدب العربي المعاصر»، حيث نُشرت بعض فصوله كأبحاث مستقلة في مجلات مصرية دون إذن أو توثيق، وهو ما وصفه البعض بـ «بلطجة فكرية».
في هذا النوع من السرقات، لا يُسرق المعنى فقط، بل يُنتحل الجهد البحثي كاملًا: فصول كاملة تُعاد صياغتها شكليًا وتُقدم بوصفها إنتاجًا أصيلًا، والخطر هنا مضاعف، لأنه يهز ثقة المؤسسة الأكاديمية نفسها.
العصر الرقمي.. النسخ بضغطة زر
مع الإنترنت، تحولت السرقة إلى فعل سريع ومنخفض الكلفة، تعرّضت الكاتبة المصرية صفاء البيلي لسرقة نصها المسرحي لغتي الجميلة بعدما نسبه كاتب آخر لنفسه للمشاركة في مسابقة.
وتتكرر هذه الوقائع في القصص القصيرة، خاصة في أدب الرعب، حيث تُترجم قصص أجنبية وتُعرب بلا إشارة للمصدر، كما أثيرت انتقادات بحق الداعية عمرو خالد بدعوى تقليده أساليب وعاظ إنجيليين، ما يعكس شكلًا آخر من «الاستنساخ الأسلوبي».
أنماط السرقة.. من المعنى إلى النص الكامل
من خلال الوقائع السابقة، يمكن تصنيف السرقات إلى، سرقة المعنى والتي تتمثل في أخذ الفكرة العامة وتغيير الإطار، والسلخ الجزئي وهو الاحتفاظ بالبنية مع تعديلات لغوية، والسطو المباشر وهو نقل النص حرفيًا، ثم سرقة بحثية وهي انتحال جهد أكاديمي كامل، وتقليد أسلوبي وتعني استعارة النبرة والآليات التعبيرية.
واللافت أن النقاد القدامى كانوا أكثر صراحة في تسمية الأشياء بأسمائها، بينما تتخفى السرقات الحديثة أحيانًا خلف مصطلحات مثل «التناص» و«الاقتباس الحر».
السرقات الأدبية.. معركة لا تنتهي
من مخطوطات العباسيين إلى خوادم الإنترنت، لم تتغير طبيعة السؤال: هل النص امتداد لما قبله أم اعتداء عليه؟، وإذا كان التراث قد وثّق سرقات الشعراء بجرأة، فإن العصر الرقمي يفرض شفافية أكبر لأن أدوات الكشف اليوم أسرع، لكن الإغراء أيضًا أكبر، وبين هذا وذاك، تبقى الأصالة ليست ادعاءً، بل مسؤولية - مسؤولية أمام التاريخ، وأمام القارئ، وأمام الضمير الإبداعي نفسه.