في قرية هادئة بمحافظة محافظة الدقهلية، تحوّل نزاع عائلي على الميراث إلى جريمة هزّت الرأي العام. قصة بدأت بأوراق رسمية وأحكام قضائية، وانتهت بسقوط محامية من شرفة منزل بعد أيام قليلة من تنفيذ حكم تمكين لصالح زوجها. بين روايات الأقارب وتحريات الأمن، تتكشف تفاصيل مأساة تحمل في طياتها صراع سنوات.
جذور الأزمة.. أسماء متعددة وميراث معقد
يروي أيمن جمال، ابن خالة الشباب المتهمين، في تصريحات خاصة لـ "صدي البلد"، أن القصة تعود إلى عائلة مكوّنة من ستة أشقاء وبنتين. خمسة من الأشقاء كانوا معروفين باسم الشهرة المتداول داخل القرية، بينما حمل الشقيق السادس زوج المحامية المجني عليها الاسم الرسمي المثبت في الأوراق الحكومية.
هذا الفارق في الأسماء، بحسب روايته، كان مفتاح الأزمة. فالأب كان له اسمان، أحدهما متداول بين الأهالي، والآخر رسمي مثبت في السجلات والجمعية الزراعية.
بموجب الاسم الرسمي، كانت هناك ثلاث قطع أراضٍ زراعية مسجلة، بالإضافة إلى منزل مقام على إحدى تلك القطع عند مدخل القرية.
اكد جمال أن الشقيق السادس سبق أن باع نصيبه في الممتلكات لشقيقه الأكبر بعقد موثق منذ سنوات، وانتقل للعيش في مدينة المنصورة. وبمرور الوقت، استقر الوضع على هذا الأساس، إلى أن ظهرت ثغرة قانونية أعادت فتح الملف من جديد.
معركة قضائية استمرت عشر سنوات
بحسب رواية الأسرة، بدأت المحامية زوجة الشقيق السادس في تحريك دعاوى قضائية منذ عام 2016، مستندة إلى الاسم الرسمي المسجل في الأوراق، والذي يثبت وفق تفسيرها أحقية زوجها وشقيقتيه في الميراث.
على مدار نحو عشر سنوات، ظلت القضية تتنقل بين أروقة المحاكم. ويقول جمال إن المحامية “حاربت في المحاكم”، مستندة إلى ما اعتبرته ثغرة قانونية في مسألة اختلاف الأسماء، حتى صدر حكم نهائي بتمكينها وزوجها من المنزل محل النزاع.
يوم التمكين.. بداية النهاية
في 12 فبراير، توجهت قوة من مديرية أمن الدقهلية ومركز شرطة نبروه إلى قرية كفر الأبحر لتنفيذ حكم التمكين. المنزل، المكوّن من طابقين، تم تسليمه رسميًا للمحامية وزوجها.
دخل الزوجان المنزل بعد سنوات من النزاع، في مشهد اعتبرته أسرة الطرف الآخر صدمة كبيرة. فبحسب رواية ابن الخالة، شعر الأشقاء بأنهم فقدوا بيتهم وأرضهم فجأة، خاصة وأن بعضهم كان يعمل خارج البلاد لسنوات طويلة في لبنان والسعودية.
خمسة أيام فقط فصلت بين تنفيذ الحكم ووقوع الجريمة.
تصاعد الغضب.. واقتحام وانفجار مأساوي
وفق تحريات الأجهزة الأمنية، نشبت خلافات حادة بين الطرفين حول ملكية العقار. وتطورت الأزمة إلى اقتحام المنزل من قبل عدد من أفراد العائلة المعترضين على الحكم.
وخلال المشاجرة، تم الاعتداء على الزوج، فيما أُصيبت المحامية إثر إلقائها من شرفة الطابق الثالث، لتلقى مصرعها في واقعة صادمة لأهالي القرية.
أيمن جمال أكد أنه لا يعلم تفاصيل اللحظات الأخيرة، لكنه أشار إلى أن حالة الغضب والرغبة في الانتقام ربما كانت الدافع وراء ما حدث، بعد شعور الطرف الآخر بخسارة ممتلكاتهم.
القبض على المتهمين
عقب الواقعة، كثّفت الأجهزة الأمنية تحرياتها، وتمكنت من ضبط أربعة متهمين في القضية. ووفق بيان الأمن، فإن المتهمين هم: عبد العزيز ال، ووائل ع، وحمادة ع، وعلي ع.
وتواجههم اتهامات باقتحام العقار، والتعدي على الزوج، والتسبب في مقتل المحامية بإلقائها من أعلى العقار.
التحقيقات لا تزال جارية لكشف ملابسات الواقعة كاملة، وبيان ما إذا كانت الجريمة مدبرة أم نتيجة مشاجرة تطورت بشكل مفاجئ.
مأساة عائلية تتجاوز الأوراق
القصة في جوهرها لم تكن مجرد نزاع قانوني حول أرض ومنزل، بل صراع عائلي طويل اختلطت فيه العلاقات بالملكية، والمشاعر بالأحكام القضائية. فبينما رأت المحامية أنها تسترد حقًا قانونيًا لزوجها، شعر الطرف الآخر بأنهم يُنتزعون من بيت عاشوا فيه سنوات طويلة.
في القرى الصغيرة، لا تكون المنازعات مجرد قضايا في المحكمة، بل تتحول إلى أزمات اجتماعية تمس السمعة والكرامة والانتماء. ومع طول أمد النزاع، تتراكم المشاعر السلبية، حتى يكفي احتكاك واحد لإشعال الموقف.
بين القانون والغضب.. درس قاسٍ
تكشف هذه الواقعة عن خطورة النزاعات العائلية حين تخرج من إطارها القانوني إلى دائرة الانتقام الشخصي. فمهما كانت الأحكام القضائية عادلة أو محل خلاف، يبقى الاحتكام للقانون هو السبيل الوحيد لتجنب الفوضى.
اليوم، أسرة فقدت ابنتها، وأخرى يواجه أبناؤها اتهامات خطيرة قد تقودهم إلى مصير مجهول خلف القضبان. أما القرية، فستظل تتذكر أن خلافًا على الميراث انتهى بجريمة هزت القلوب قبل أن تهز ساحات القضاء.
في الختام، لم يكن هذا النزاع مجرد خلاف على أوراق ملكية أو تفسير قانوني لاسم مسجل في الحيازة، بل كان اختبارًا قاسيًا للعلاقات الأسرية حين تتصدع تحت ضغط المال والميراث. سنوات من التقاضي انتهت في لحظة غضب، وحكم قضائي تحوّل إلى شرارة أشعلت مأساة إنسانية لا يمكن الرجوع عنها.