مع حلول شهر رمضان، تتجدد الفرصة أمام الإنسان ليعيد ترتيب أولوياته ويقترب خطوة حقيقية من ذاته ومن ربه، فهذا الشهر لا يأتي فقط بالصيام والقيام، بل يحمل دعوة عميقة لإحياء القلب وإعادة بنائه على نور المعاني الإيمانية.
محطة إنقاذ تعيد للإنسان توازنه
وفي زمن تتسارع فيه الحياة وتغلب فيه الآلية على الروح، يصبح رمضان محطة إنقاذ تعيد للإنسان توازنه الداخلي، وتذكره بأن العبادة ليست مجرد أداء شكلي، بل تجربة حياة كاملة.
صلة حقيقية تغيّر مسار القلب
ومن هنا تتجدد الدعوة إلى أن تتحول الصلاة من حركات متكررة إلى صلة حقيقية تغيّر مسار القلب وتمنح الحياة معناها.
من جانبه؛ أكد الدكتور عمرو الورداني، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، أن شهر رمضان منحة إلهية لتجديد القلوب وصياغتها من جديد، موضحًا أن الشهر الكريم ليس موسمًا عابرًا، بل فرصة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، والانتقال به من ضيق النفس إلى سعة القرب من الله.
استحضار مشهد مدارسة القرآن
وأوضح، خلال حديثه في برنامج «في الدين» المذاع على قناة الناس، أن استحضار مشهد مدارسة القرآن بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيدنا جبريل عليه السلام يرسّخ معنى جوهريًا، وهو أن الدين ليس معلومات تحفظ أو كلمات تردد، بل واقع يُعاش وسلوك يتجسد، فالنبي كان قرآنًا يمشي على الأرض، ما يكشف أن جوهر العبادات، خاصة في رمضان، هو التحول القلبي لا مجرد الأداء الظاهري.
الغاية من التعلم الديني
وأضاف أن الغاية من التعلم الديني لا تتوقف عند حدود المعرفة، بل تمتد إلى العيش بالمعاني. فالصحابة كانوا يتهيأون لرمضان ستة أشهر، ثم يواصلون استثمار أثره ستة أشهر أخرى، حتى يصبح رمضان حالة مستمرة في حياتهم لا فترة زمنية محدودة.
واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، موضحًا أن الفقه المقصود يتجاوز معرفة الحلال والحرام إلى ما سماه العلماء «فقه القلوب» وفهم النفس وإصلاحها.
إصلاح الحياة
وأشار إلى أن إصلاح الحياة يبدأ من الداخل، مستدلًا بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله… ألا وهي القلب»، مبينًا أن كثيرين يعيشون إنجازات ظاهرة لكنهم يعانون فراغًا داخليًا، نتيجة ما وصفه بـ«تآلية الذات»، حيث يتحول الإنسان إلى آلة تؤدي المهام بلا حضور روحي، فتغدو عبادته حركات ميكانيكية تفتقد النور.
عمود حياة القلب
وأكد أن الصلاة ليست مجرد ركن من أركان الدين، بل عمود حياة القلب، وأن الأزمة لا تكمن في أدائها، بل في غياب معناها. فالصلاة في جوهرها صلة ومناجاة ولقاء، ومعراج لا يتحقق إلا بحضور القلب.
وبيّن أن هناك فرقًا بين «صلاة تُؤدّى» و«صلاة تُعاش»، فحين تحيي الصلاة القلب في المسجد الصغير، تتحول الحياة كلها إلى مسجد كبير يعيش فيه الإنسان معنى القرب من الله في قراراته وعلاقاته وأعماله.
رؤية الأحداث بعمق المعاني
ولفت إلى أن الصلاة الحاضرة تنير البصيرة وتمنح صاحبها القدرة على رؤية الأحداث بعمق المعاني لا بسطحية الظواهر، فقراءة الفاتحة في كل ركعة فتح لباب السعة، والركوع والسجود عودة إلى عهد القرب الأول، والتشهد مقام الشهود، والتسليم تفويض كامل لله في تفاصيل الحياة.
وختم بالتأكيد على أن الانتقال من «الآلية» إلى «الحياة القلبية» يبدأ باستحضار النية، والعيش بقلب حاضر في الأعمال الصغيرة قبل الكبيرة، فالكلمة الطيبة، وخدمة الأسرة، والاهتمام الصادق، كلها امتداد لحياة الصلاة، داعيًا أن يكون رمضان بداية حقيقية لقلب حيّ يرى لطف الله في كل لحظة، ويعيش الطمأنينة في الشدة والرخاء، فتتحول العبادة من طقوس مؤقتة إلى حياة دائمة بنور الله.



