في لحظة درامية لم تكن ضمن أحداث العمل نفسه، تحوّل اسم مسلسل «فخر الدلتا» إلى عنوان لأزمة تتجاوز حدود الشاشة. فبينما كان الجمهور يتابع تطورات الحلقات بشغف، فوجئ في الحلقة الخامسة بغياب اسم مؤلف العمل عن تتر النهاية، بعد أن كان قد أثار ظهوره في الحلقة السابقة موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي. قرار الشركة المنتجة لم يأتِ من فراغ، بل جاء في ظل اتهامات بالتحرش طالت أحد أعضاء فريق الكتابة، لتبدأ بذلك أزمة مركّبة تتداخل فيها الاعتبارات الفنية، والضغوط الجماهيرية، والمسار القانوني.
حذف الاسم.. رسالة تهدئة أم إجراء احترازي؟
مع عرض الحلقة الخامسة من «فخر الدلتا»، لاحظ المشاهدون حذف اسم المؤلف من تتر النهاية، وهو ما فُهم باعتباره استجابة مباشرة لحالة الغضب التي سادت مواقع التواصل عقب تداول اتهامات بحقه. اللافت أن اسم المؤلف كان قد اختفى بالفعل من تتر البداية في وقت سابق، في خطوة بدت تمهيدية قبل قرار الحذف الكامل من تتر النهاية.
الشركة المنتجة لم تلتزم الصمت طويلًا، بل أصدرت بيانًا رسميًا أوضحت فيه أنها اطلعت على المنشورات المتداولة بشأن أحد أعضاء فريق الكتابة، مؤكدة أنها تأخذ مثل هذه الاتهامات على محمل الجد. البيان أشار إلى أن إزالة الاسم إجراء مؤقت لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ القرار المناسب بناءً على نتائج التحقيق.
وجاء في البيان تأكيد واضح على احترام جميع الأطراف، والحرص على أن ينال كل ذي حق حقه في إطار من العدالة والشفافية. صيغة البيان بدت حريصة على الموازنة بين الاستجابة للغضب العام، وعدم إصدار حكم مسبق قبل استكمال أي مسار قانوني.
شهادة إحدى الفتيات.. «كنت مضطرة أتحمل»
وسط تصاعد الجدل، أدلت إحدى الفتيات دون الكشف عن اسمها ، بشهادة تفصيلية عن واقعة قالت إنها تعرضت لها عام 2018، حين كانت تعمل في أحد المقاهي بالقاهرة، وكان هو مديرها المباشر.
تقول الفتاة إنها كانت تعمل «شيفت» في المكان، وتصف أجواء العمل آنذاك بأنها لم تكن رسمية بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى «جو عائلي». وخلال مقابلة العمل، لاحظت بحسب روايتها أنه كان صامتًا بشكل لافت، بينما كان الآخرون يطرحون الأسئلة، مشيرة إلى أنها استغربت نظراته التي وصفتها بأنها «غير مريحة».
ومع مرور الوقت، بدأت على حد قولها تلاحظ تعليقات وإيحاءات لفظية غير مناسبة لبيئة العمل، غالبًا ما كانت تُقال في إطار «الهزار»، وهو ما كانت تعتبره محاولة لتفادي المساءلة. تقول: «كنت لما أسمع الكلام ده وشي بيحمر، وكنت بنبه إن ده مينفعش يتقال، لكنه كان دايمًا يتعمد يقولها بهزار علشان محدش يمسك عليه حاجة».
تحذيرات من الزملاء وشكوك متزايدة
بحسب شهادة الفتاة، فإن بعض زملائها في العمل حذروها منه، وأخبروها بأنه قد يرتكب مخالفات مالية، مثل التلاعب بطلبات الكاشير. وتوضح أنها وجدت نفسها في حالة ارتباك بين ما تسمعه من هنا وهناك، وبين حاجتها الماسة إلى العمل.
تقول إنها كانت تمر بضائقة مالية صعبة، وتعيش على دخل محدود، لدرجة أنها كانت تنتظر توزيع «الإكرامية» حتى تتمكن من استكمال الشهر. «ماكانش عندي رفاهية إني أسيب الشغل»، تضيف، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بعدم الراحة، لكنها مضطرة للاستمرار.
الواقعة المفصلية.. «حاول يقبّلني»
واضافت ان في أحد الأيام، وأثناء استراحة قصيرة في شرفة المكان، أخبرها بأنه يريد أخذ رأيها في عرض عمل جديد تلقاه. تحدثا عن مستقبله المهني، ونصحته بالتفكير الجيد وعدم التسرع.
تقول إنه بعد لحظات من الصمت، فاجأها بعبارات إعجاب شخصية، قبل أن يحاول تقبيلها.
تصف رد فعلها بأنها دخلت في «نوبة ضحك من الصدمة»، وغادرت المكان فورًا. وتضيف: «هو كان بيتصرف كأنه ما عملش حاجة غلط، وبيسألني مالك؟ في حاجة مضايقاكي؟».
ضغط للتكذيب وقطع علاقات
واوضحت إنه طلب منها الدخول في مكالمة جماعية مع الفتاة التي كان مرتبطًا بها، والتي كانت صديقتها أيضًا، ليطلب منها أن تنفي حدوث أي شيء. وتؤكد أنها لم ترغب في الكذب عندما طُلب منها مواجهة الحقيقة.
هذا الموقف بحسب روايتها تسبب في توتر علاقتها بصديقتها، قبل أن تتضح الأمور لاحقًا وتعود للتواصل معها وتعتذر لها. لكنها تشير إلى أن البعض اتهمها بالكذب، وأنها تحدثت في وقت سابق عما جرى.
وتعلّق على سؤال متكرر وُجه إليها: «ليه ما اتكلمتيش من سبع سنين؟»، قائلة: «أنا اتكلمت واتكدبت».
بين الماضي والحاضر.. لماذا تعود القصص الآن؟
تطرح هذه القضية سؤالًا أوسع.. لماذا تظهر مثل هذه الشهادات بعد سنوات من وقوعها؟ يرى مختصون في قضايا النوع الاجتماعي أن الخوف من فقدان العمل، أو التعرض للتشهير، أو عدم التصديق، كلها عوامل تدفع الكثيرات إلى الصمت لفترات طويلة.
الوسط الفني تحت المجهر
ليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها الوسط الفني اتهامات مماثلة، لكن سرعة التفاعل هذه المرة تعكس تغيرًا في المزاج العام، حيث أصبح الرأي العام أكثر حساسية تجاه قضايا التحرش، وأكثر استعدادًا لدعم الضحايا.
وفي المقابل، يطالب آخرون بضرورة الالتزام بمبدأ «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، وعدم تحويل الاتهامات عبر السوشيال ميديا إلى أحكام نهائية قبل صدور نتائج تحقيقات رسمية.
تحرك قانوني رسمي أمام النيابة العامة
وفي تطور لافت للأزمة، تقدمت المحامية نسمة الخطيب ببلاغات رسمية إلى النيابة العامة ضد أحد أعضاء فريق كتابة مسلسل «فخر الدلتا»، متهمةً إياه بالتحرش بفتاتين. وأكدت الخطيب أنها تتولى الوكالة القانونية عنهما بموجب تفويض رسمي، وأن البلاغات قُدمت باسميهما لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وأوضح البلاغ أن الواقعة لا تقتصر على شهادتين فقط، إذ أشار إلى وجود روايات إضافية لفتيات أخريات قلن إنهن تعرضن لمواقف مشابهة من الشخص ذاته. وبحسب ما ورد في البلاغ، فإن بعض هذه الشهادات جرى نشرها عبر موقع «فيسبوك» تحت وسم يحمل اسمه، ما ساهم في اتساع نطاق القضية وتصاعد التفاعل معها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويُعد هذا التحرك القانوني خطوة جديدة تنقل القضية من ساحة الجدل الإلكتروني إلى المسار القضائي، في انتظار ما ستسفر عنه تحقيقات النيابة خلال الفترة المقبلة.
في جوهرها، لم تعد الأزمة مرتبطة بمسلسل فقط، بل تحولت إلى مرآة تعكس أسئلة أعمق حول بيئة العمل، وآليات الإبلاغ، وحماية المبلّغين من الوصم أو الانتقام. كما أعادت النقاش حول مسؤولية المؤسسات في توفير قنوات آمنة للشكوى، وضمان الشفافية في التعامل مع أي ادعاءات.
بين شهادات خرجت بعد سنوات من الصمت، وبيانات رسمية تحاول احتواء الموقف، وتحرك قانوني ينتظر كلمته، يقف الرأي العام مترقبًا. الحقيقة وحدها القادرة على حسم الجدل، والعدالة وحدها الكفيلة بإعادة التوازن، سواء بإثبات الاتهامات أو نفيها.
وفي كل الأحوال، تبقى كرامة الإنسان وأمانه في بيئة العمل خطًا أحمر لا يقبل المساومة، وتبقى الثقة مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات، لا تُبنى إلا بالشفافية والمحاسبة والإنصاف.