في مشهد يبدو ثابتا منذ آلاف السنين، يواصل القمر تحولاته العميقة بعيداً عن أعين البشر، حيث كشفت دراسة علمية حديثة أن جار الأرض لا يزال يتقلص تدريجيا تاركا خلفه شبكة متنامية من التشققات السطحية التي قد تحمل دلالات مهمة لمستقبل الاستكشاف البشري.
العلماء في المتحف الوطني للطيران والفضاء أعلنوا رصد أكثر من ألف تشقق جديد لم تكن معروفة سابقاً، ما يعزز الفرضية القائلة إن القمر لم يدخل مرحلة “السكون الجيولوجي” الكامل، بل ما يزال يشهد نشاطا تكتونيا خفيا.
لماذا يتقلص القمر؟
يربط الباحثون هذه الظاهرة بالتبريد المستمر لباطن القمر عبر ملايين السنين فمع فقدانه التدريجي للحرارة، ينكمش قلبه الصخري، ما يؤدي إلى تقلص القشرة الخارجية هذا الانكماش يخلق ضغوطاً داخلية تتسبب في تشكل صدوع وتشققات، تشبه التجاعيد التي تظهر على سطح ثمرة تجف ببطء.
هذه العملية ليست وليدة اللحظة، بل مستمرة منذ حقب جيولوجية طويلة، إلا أن التقنيات الحديثة لرصد التضاريس القمرية مكنت العلماء من توثيق تفاصيلها بدقة غير مسبوقة.
المنحدرات الفصية ثم مفاجأة “البحار القمرية”
منذ عام 2010، رصد العلماء ما يعرف بـ"المنحدرات الفصية" في المرتفعات القمرية، وهي تشكيلات تنشأ عندما تنضغط القشرة فتندفع الكتل الصخرية فوق بعضها البعض على امتداد صدوع، مكونة حوافاً مرتفعة واضحة المعالم.
غير أن الدراسة الجديدة كشفت عن أمر أكثر إثارة؛ إذ تم رصد تشققات مماثلة داخل “البحار القمرية” وهي السهول الداكنة الواسعة التي تغطي أجزاء كبيرة من سطح القمر وأطلق الباحثون على هذه التشكلات اسم "الحواف الصغيرة في البحار" (SMRs)، في إشارة إلى طبيعتها الدقيقة وانتشارها الواسع.
وتمكن الفريق من تحديد 1,114 حافة صغيرة جديدة، ليرتفع العدد الإجمالي المكتشف إلى 2,634 تشكلا ويُقدر متوسط عمر هذه المعالم بنحو 124 مليون عام، بينما تعود المنحدرات الفصية إلى قرابة 105 ملايين عام، ما يجعلها من أحدث السمات الجيولوجية على سطح القمر.
قمر ديناميكي لا يزال حيا
يرى الباحثون أن هذه النتائج ترسم صورة أكثر وضوحاً لقمر ديناميكي لم يفقد نشاطه بالكامل فتوثيق هذا الانتشار الواسع للتشققات يمنح العلماء فهما أعمق لتاريخه الحراري والزلزالي، ويعزز احتمالية وقوع ما يُعرف بـ"الزلازل القمرية" الضحلة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل الاستعدادات الجارية لإعادة البشر إلى سطح القمر ضمن برنامج ناسا، وتحديداً في مهمة أرتيميس 3 المقررة بحلول عام 2028.
بين الطموح والمخاطر
ورغم القيمة العلمية الكبيرة للاكتشاف، يحذر الباحثون من تداعياته المحتملة على أي وجود بشري طويل الأمد فوق سطح القمر فانتشار هذه الحواف الصخرية قد يشكل خطراً على البنية التحتية، خاصة إذا اقترن بزلازل قمرية قادرة على التأثير في المنشآت والمعدات.
وبينما تتسارع خطط العودة إلى القمر، يبدو أن فهم “نبضه الجيولوجي” لم يعد شأنا بحثيا فحسب، بل ضرورة تتعلق بالسلامة والاستدامة فالقمر، الذي بدا طويلا ساكنا في سماء الأرض، يثبت اليوم أنه عالم متغير، يعيد تشكيل نفسه ببطء لكن بثبات.





