في ظل تصاعد التوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تتزايد التساؤلات حول انعكاس هذه التطورات على الاقتصاد المصري، خاصة مع ما تشهده المنطقة من اضطرابات أمنية تهدد استقرار الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية.
ويرى خبراء مصرفيون واقتصاديون أن تداعيات الحرب قد تمتد إلى عدة قطاعات حيوية، في مقدمتها السياحة والطاقة وسوق الصرف والاستثمارات الأجنبية.
تداعيات جيوسياسية مباشرة
أكدت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية ونائب رئيس بنك مصر سابقًا، أن الحرب الدائرة في المنطقة تحمل تأثيرات مباشرة على الاقتصاد المصري في ظل ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية، مشيرة إلى أن الأسواق بدأت بالفعل تعكس هذه المخاوف من خلال تحركات سعر الصرف وخروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية خلال الفترة الأخيرة.
تحركات الاستثمار الأجنبي
وأوضحت الدماطي أن قطاع السياحة سيكون من أسرع القطاعات تأثرًا بالأحداث، نظرًا لحساسيته الشديدة تجاه الأزمات السياسية والعسكرية، حيث تعيد شركات السياحة العالمية تقييم وجهاتها عند أي تصعيد عسكري، ما قد يؤدي إلى تراجع مؤقت في أعداد السائحين.
وأضافت أن استمرار التوتر لفترة أطول قد يضغط على موارد النقد الأجنبي، خاصة إذا تزامن مع تراجع مصادر أخرى للعملة الصعبة.
السياحة تحت التهديد
وفيما يتعلق بحركة التجارة العالمية، أشارت إلى أن سلاسل الإمداد تشهد اضطرابات متزايدة بعد إعلان عدد من شركات الشحن الكبرى تحويل مسارات سفنها بعيدًا عن قناة السويس، وهو ما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويطيل زمن الشحن.
ولفتت إلى أن هذا الوضع قد يؤثر سلبًا على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، فضلًا عن احتمالية تراجع إيرادات قناة السويس بعد فترة من التعافي النسبي.
اضطراب سلاسل الإمداد
وحذرت الدماطي من انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة، مؤكدة أن أي صعود مستمر في أسعار النفط والغاز سينعكس مباشرة على معدلات التضخم من خلال زيادة تكلفة النقل والإنتاج الصناعي.
وأوضحت أن اعتماد عدد من القطاعات على مدخلات مستوردة قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة تختلف حدتها وفقًا لمدة استمرار الحرب واتساع نطاقها.
مخاطر تضخمية محتملة
كما أشارت إلى أن تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي وخروج استثمارات من أدوات الدين الحكومية قد يفرض ضغوطًا إضافية على سعر الصرف، بما ينعكس على تكلفة الاستيراد وأسعار السلع النهائية في السوق المحلية.
وأضافت أن الاستثمارات طويلة الأجل قد تتجه إلى الترقب لحين اتضاح الرؤية، بينما تتأثر الأذون والسندات الحكومية بشكل أسرع نتيجة تحركات المستثمرين الأجانب الباحثين عن ملاذات أكثر أمانًا.
ضغط على سعر الصرف
من جانبه، قال هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، إن التطورات العسكرية الأخيرة أعادت التأكيد على حساسية الاقتصاد العالمي لأي توتر في منطقة الخليج، خاصة أن مضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
مضيق هرمز محور الأزمة
وأوضح أن أولى الانعكاسات المحتملة على الاقتصاد المصري تظهر عادة في تحركات رؤوس الأموال الأجنبية داخل سوق الدين المحلي، حيث تميل الاستثمارات غير المباشرة، المعروفة بـ«الأموال الساخنة»، إلى تقليص انكشافها على الأسواق الناشئة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وأشار إلى أن هذا السلوك قد يفرض ضغوطًا مؤقتة على سوق الصرف، مع احتمالية تجاوز الدولار مستوى 49 جنيهًا حال استمرار الضغوط الخارجية.
الأموال الساخنة تتحرك
ورغم ذلك، أكد أبو الفتوح أن الاقتصاد المصري يمتلك عنصر دعم مهم يتمثل في قوة الاحتياطي النقدي الأجنبي، الذي بلغ نحو 52.59 مليار دولار في بداية عام 2026، وهو ما يمنح البنك المركزي مساحة للتحرك وامتصاص جزء من الصدمات الخارجية.
قوة الاحتياطي النقدي
وأضاف أن التأثير الأكبر قد يأتي من أسواق الطاقة، ففي حال تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، قد تقفز أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 110 و140 دولارًا للبرميل في سيناريو التصعيد، ما يعني زيادة مباشرة في فاتورة الواردات البترولية.
سيناريو أسعار النفط
وبيّن أن ارتفاع متوسط سعر النفط بنحو 10 دولارات للبرميل قد يضيف مئات الملايين من الدولارات سنويًا إلى فاتورة الاستيراد، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًا على الموازنة العامة وميزان المدفوعات، خاصة في ظل سعي الحكومة للحفاظ على مسار خفض العجز المالي.
ضغط على الموازنة
كما لفت إلى أن التداعيات تمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين البحري، إذ شهدت التوترات في البحر الأحمر خلال الأشهر الماضية ارتفاعًا في هذه التكاليف بنسب وصلت إلى 50%، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع المستوردة، خاصة الأساسية منها.
تكاليف الشحن ترتفع
وفيما يتعلق بتقييم المؤسسات الدولية، أشار إلى أن وكالات التصنيف الائتماني قد تتعامل بحذر مع أي تصعيد إقليمي، مع الإبقاء على نظرة مستقبلية حذرة تجاه اقتصادات المنطقة في ضوء ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
نظرة دولية حذرة
ويجمع الخبراء على أن العامل الحاسم في تقدير حجم التداعيات يتمثل في المدى الزمني للحرب، إذ إن إطالة أمد الصراع تعني تأثيرات أوسع وأعمق على الاقتصادين الإقليمي والمحلي، بينما قد يسهم احتواء التصعيد سريعًا في الحد من الخسائر المحتملة وتخفيف الضغوط على الأسواق المصرية.