أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن التاريخ البشري لم يعرف نموذجًا جمع بين الإيمان الظاهر وبقايا الفكر المنحرف إلا في حالتين واضحتين: بني إسرائيل والمنافقين في المدينة بقيادة عبد الله بن أبي بن سلول، موضحًا أن بني إسرائيل أسسوا عمليًا لمنهج النفاق الذي ظهر لاحقًا في مجتمع المدينة، إذ دخلوا في دائرة الإيمان شكليًا بينما ظلت بداخلهم رواسب الغرور والتكاسل والتقاعس.
وأضاف عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الأربعاء، أن من أوائل مظاهر ذلك ما حدث عند خروجهم من مصر، حين اتفقوا على سرقة حُليّ وزينة المصريين بحيلة الاستعارة بحجة الاحتفال، ثم بيتوا النية على عدم ردّها، فخرجوا ومعهم أموال مسروقة، وهو ما عبّر عنه القرآن بقولهم: «حُمِّلنا أوزارًا من زينة القوم»، موضحًا أن كلمة «أوزارًا» تعني آثامًا وجريمة سرقة، وأن هذه الواقعة كانت سببًا في تمكين فرعون من حشد جيشه سريعًا بدعوى استرداد المسروقات.
وتابع أن مشهد الوقوف أمام البحر كشف ضعف اليقين، فبدلًا من اللجوء إلى الله قالوا: «إنا لمدركون»، مستغيثين بموسى لا بالله، ولولا أن الله منّ على موسى بمعجزة العصا فانفلق البحر ونجوا، لهلكوا، مشيرًا إلى أنهم رأوا الأمواج كالجبال، وشهدوا غرق فرعون بأعينهم، ومع ذلك لم يثبت الإيمان في قلوبهم.
وأشار الشيخ خالد الجندي إلى أن العجيب أنهم بعد النجاة مباشرة، وأقدامهم ما زالت مبتلة بماء البحر، مروا على قوم يعكفون على أصنام فقالوا: «يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة»، ثم لما غاب موسى أيامًا عبدوا العجل وأقاموا له احتفالًا، ولم يراعوا مقام نبي الله هارون عليه السلام الذي قال: «إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني»، في صورة تكشف سرعة الارتداد إلى الوثنية.
وأوضح أن جرأتهم بلغت حد طلب رؤية الله جهرة، واختيار سبعين رجلًا للميقات ثم وقوعهم في العنت، كما تجلى تعنتهم في قصة البقرة حين تورطوا في جريمة قتل، فكان موسى يقول لهم: «إن الله يأمركم» ولم يقل «إني آمركم» تجنبًا للصدام المباشر، ومع ذلك شددوا وضيّقوا على أنفسهم بكثرة الأسئلة.
وبيّن أن حتى في أمور المعيشة، حين تاهوا في الصحراء، وكانوا سيموتون من العطش، وفجّر الله لهم الماء، اختلفوا ورفضوا أن يشربوا من مورد واحد حتى جُعلوا اثني عشر سبطًا، لكل سبط عين، في مشهد يعكس النزاع الدائم، مؤكدًا أن أمر ذبح البقرة كان اختبارًا حقيقيًا لبقايا تقديس العجل في قلوبهم، لأن من عبد العجل يُمتحن بذبح بقرة، ليظهر هل بقي التعلق القديم أم زال، مشددًا على أن هذه الوقائع تفسر طبيعة الخطاب القرآني المكثف حولهم، وتكشف جذور السلوك الذي تأسس عليه منهج النفاق لاحقًا.


